هل انصدم العالم من وحشية أمريكا؟

الكاتب:

20 ديسمبر, 2014 لاتوجد تعليقات

ضجت وسائل الإعلام حول العالم خلال الأسبوع المنصرم بتناقل تقرير نشره الكونغرس الأمريكي عن استخدام وكالة الاستخبارات المركزية (الس أي إيه) لوسائل تعذيب خلال استجواب المشتبه بهم بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وجاء التقرير في ٦ الاف صفحة لم ينشر منها إلا قرابة ٥٠٠ صفحة فقط؛ إلا أنها كانت كافية لإحداث صدمة عنيفة حول العالم. حيث وصفت التفاصيل الواردة في التقرير بأنها وحشية وتخالف قوانين حقوق الإنسان والمواثيق الدولية الخاصة بالمساجين مثل اتفاقية جنيف الرابعة لحقوق السجناء. وعلى الرغم من اتفاق العالم على الشعور بالصدمة من تفاصيل التقرير، إلا أنني شخصيا استغربت استغراب العالم.

 يبدو أن العالم أجمع يعاني من متلازمة ذاكرة السمكة. وإلا فما المبرر لردود الفعل هذه؟ هل من المستغرب على الولايات المتحدة أن تمارس التعذيب؟ هل كانت هذه المرة الأولى؟ هل كان العالم يجهل حقاً وحشية وإرهاب الولايات المتحدة؟ نعم، بعض التفاصيل الواردة في التقرير تثير الاضطراب والقلق لشدة وحشيتها وقسوتها، ولكن ردة الفعل العامة توحي بأن أحدا لم يتوقع أن تصدر مثل هذه الممارسات من الولايات المتحدة بالذات. وكأن العالم نسي جرائم أمريكا المتتالية حول العالم. نسي جرائم الاحتلال الأمريكي في كل من أفغانستان وباكستان، نسي احتلال العراق وجرائم الدرونز الأمريكية في كل من اليمن والصومال ومؤخراً سوريا.
وهذا التقرير ليس أول تقرير يفضح وحشية أمريكا ولن يكون الأخير. دعوني أورد بعض هذه التقارير لأنعش ذاكرة القارئ. في أكتوبر عام ٢٠١٠ قامت ويكيليكس بتسريب وثائق تفضح مقتل أكثر من ١٠٠ألف مدني في العراق. وفي العام ٢٠٠٤ فجع العالم بتسريب صور مريعة لقيام جنود أمريكان بتعذيب المساجين العراقيين في سجن أبو غريب، فيما أصبح يعرف لاحقاً بفضيحة أبو غريب. وقد قام ٤ من المساجين الذين تعرضوا للتعذيب في أبو غريب برفع شكوى في أمريكا، ولكن القاضي الأمريكي رفض القضية بحجة وقوعها خارج الحدود الأمريكية. أما ردة فعل الحكومة الأمريكية فإنها اكتفت بفتح تحقيق ومعاقبة بعض أفراد الشرطة العسكرية من الرتب الصغيرة. وكانت أعلى مدة عقوبة لهذه القضية ٨ سنوات خففت لاحقاً ل٨ أشهر. كما خلفت حرب أمريكا المزعومة على الأرهاب أكثر من نصف مليون قتيل في العراق فقط. ولم تتوقف ويكيليكس عن نشر وثائق تفضح وحشية أمريكا على مر السنوات الماضية. والنتيجة أن أحدا لم يجرم أمريكا أو يحاسبها على جرائمها. بل إن من ساعد على فضحها أمام العالم يقبع الأن تحت الإقامة الجبرية بسبب صدور مذكرة اعتقال أوربية بحقه، وهو جوليان أسانج.
أما في اليمن فمنذ عام ٢٠٠٢ وحتى عام ٢٠١٣ نفذت الولايات المتحدة أكثر من ٢٠٠ عملية عسكرية بموجب اتفاق ثنائي لمكافحة الإرهاب ذهب ضحيتها أكثر من ١١٥٠ مدني. وأسوأ هذه الغارات وأكثرها دموية فقد حدثت في قرية المعجلة في سبتمبر ٢٠٠٩ والتي أدت لمقتل ٥٥ شخص بينهم ٢٢ طفل و١٤ أمرأة، واستخدمت فيها أمريكا القنابل العنقودية وهي قنابل محرمة دوليا.
وذكرت دراسة صدرت عن معهد بروكنغز للدراسات أنه مقابل كل مقاتل تستهدفه الولايات المتحدة في باكستان يسقط العشرات من الأبرياء، بينما تشير إحصائيات السلطات الباكستانية أنه مقابل كل استهداف لمقاتل واحد يسقط أكثر من ٥٠ مدني! وكل هذا يحدث بعلم وتبعا لقرارت الولايات المتحدة الأمريكية ضمن ما تسميه حربها على الإرهاب.
أمريكا عينت نفسها شرطة العالم، وتظن أنها تستطيع فرض رؤيتها وقوانينها وحروبها التي تفيد مصلحتها الخاصة بمعزل عن إرادة هذا العالم. والغريب حقاً ليس وحشية أمريكا التي تجلت في هذا التقرير الأخير، ولكن الغرابة حقاً تكمن في إصرار العالم على الاحتفاء بامريكا كقدوة أخلاقية وقوة عالمية يحق لها مالا يحق لغيرها. العالم اليوم يدين أمريكا على هذا التقرير ولكن ماذا بشأن بقية جرائم الولايات المتحدة السابقة والقادمة؟ شخصيا، لا استطيع أن ألوم الحكومة الأمريكية على استمرارها باستغفال العالم، بل اللوم يقع علينا نحن. فنحن من نصر مرة تلو الأخرى على لعب دور المغفلين وتصديق الصورة الخادعة لأمريكا.
Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لا توجد تعليقات... دع تعليقك

دع ردأً

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق