اعتقال تركي الحمد.. و تحرير الرموز

الكاتب:

12 يناير, 2013 تعليق واحد

إذا كنا قد اعتقلنا تركي الحمد، المتوقف عن الكتابة في أي مكان عدا تويتر، فلا أحد منكم في مأمنٍ من الاعتقال“… هذا هو “التصريح” السياسي السعودي الذي تمّ الإدلاء به – عملياً – لعامة المواطنين في 24 ديسمبر الماضي (تاريخ اعتقال الحمد).

الأمراللافتٌ في اعتقال الحمد، أن لا شيء – حتى الآن – موّه حقيقته : “المشايخ” و طلابهم لا يحتفلون و لا يعتبرونه انتصاراً لهم. لا كتابات تتوالى في نقاش ما قال و ما حدث. لم ينظموا حملة ضد الحمد كما فعلوا أيام كاشغري، رغم أن تركي الحمد خصمهم التقليدي الكبير. ثم هناكَ أيضاً فشل مشاهير “الإعلام الأمني” في تسويق القصة التي تقول أن اعتقال الحمد كان على أساس المادة 23 من نظام الحكم: “تحمي الدولة عقيدة الإسلام…”. بدا أن قصة اعتقال الحمد –و مؤلفاته 14 كتاباً –من أجل كلمة “تصحيح”، مثيرة للسخرية، لم يدر حولها نقاش جديّ. بل كانت قمة الطرافة أن بعض “المشايخ” كانوا من أوائل من استحضر تغريدات تركي الحمد حول الإصلاح السياسي، مُتسائلين ما إذا كانت هي السبب الحقيقي وراء الاعتقال؟!قصة الاعتقال هذه لم تكن صالحة ليبيعها السياسي كعادته على أكثر من جهة (يغازل بها الإسلاميين، يخوّف المغرّدين، إلخ)،بَدَت حدثاً أمنياً بصورة فجّة. يفتقر  إلى أبسط ما يموّه طبيعته القمعيّة. اعتقال تركي الحمد، عبارة عن فعلٍ فاضح، لواقعٍ مُخزٍ إنسانياً، أولاً. ثم إنه فاضح للبروباغاندا الحكومية، التي تستميت في الربط بين الاعتقالات و الإرهاب، لكن ها هو تركي الحمد يلحق بمحمد البجادي و حمزة كاشغري. و هوَ فاضحٌ لأسطورة سياسية مستمرة منذ خمسة عقود، تصوّر الاعتقالات السياسية كحالاتٍ مؤقّتة تبررها ضروراتٍ أمنية. لكن اعتقال الحمد ثانية بعد أربعين عاماً من اعتقاله الأول، يقول أن الاعتقال على الرأي، سياسة ثابتة بذرائع متجددّة. الثابت هو تجريف المناخ السياسي السعودي من أي نَفَسٍ معارض، و الذرائع يتم استيلادها بحسب مزاج المرحلة.

عندما حوّل الحمد أحداث اعتقاله الأول إلى رواية أصدرها في مُنتصف التسعينيات الميلادية، التي كانت عقداً كالحاً خانقاً على كلّ مستوى؛ كان يُسدي معروفاً للمجتمع السعودي بتحرير جزء من ذاكرته الجماعية المؤلمة، من الحظر و النسيان. و بعد اعتقاله الثاني في 24 ديسمبر الماضي، بدت هذه اللحظة كأنما هي تحريرٌ  آخر– بمعنى استخلاص و إعادة كتابة–لمسألة الحرية كما تتشكلحدودها محلياً الآن، حيث لم يعد المجتمع يواجه فقراً في تدوين و توثيق ما يحدث له، و هو في نفس الوقت يُشكّل مفاهيمه الجديدة، و يستحث ذاته لإنتاج رموز شعبية تعبّر عن هذه المفاهيم. بعد اعتقال الحمد بدا أن هناك حيرة، حقيقية و صادقة، عند مجموعة من الشباب المنشغلين بقضايا الإصلاح السياسي و المتعاطفين مع المعتقلين تعسفياً، عندما بدأ بعض رموز ملف مناهضة الاعتقال و النشيطين في الاعتصامات ضده؛يطالبون بإعدام “الزنديق” تركي الحمد، و بعضهم يتحدّى وزارة الداخلية أن تواصل اعتقاله لأكثر من يومين، و بعضهم الآخر شكك فقط في إجراءات الاعتقال، متحاشياً تماماً الاعتراض على جوهر الحَدَث. أحد المعتقلين السابقين، الذي اشتُهِرَ بأنه لا يخلع ثياب السجن منذ تسريحه، وبقيامه بمحاكاة مصوّرة لوضعيات التعذيب و التعليق التي تعرّض لها في السجن؛ قال أنه على استعداد للتسامح مع كل هذا، “لو أقيم حدّ الردّة على تركي الحمد”. خطاب مثل هذا يقول باختصار أن سنوات السجن و التعليق و التعذيب الطويلة؛ لن تطوّرَ مفهوم الدولة و المواطنة، في عقل مُعتقل.

هناك فصلٌ جديدٌ تماماً يُكتب في السعودية. لم تكن الاعتصامات حدثاً يومياً عادياً من قبل، و لا طرق الاحتجاج المبتكرة، و اعتقال تركي الحمد كان لحظة مناسبة لإعادة مراجعة المفاهيم التي تتشكل عبر هذا الحراك الاستثنائي، و الرموز التي ترتفع معبّرة عنه، لأنهُ مثّل خروجاً على النسق المعتاد للسلطة في الاعتقالات التعسفية ، فوضع ملفّ الاعتقال و الإصلاح السياسي برمّته أمام سؤال مبدئي، حول مفهوم “الحرية” التي ينشدها، و حول رموز هذه الحرية. بالإضافة إلى موقف المؤمنين دون تحفظات بحرية الرأي، كان هناك موقف جمعية حسم، و موقف شريحة من المعتقلين السابقين و أهالي المعتقلين. جمعية حسم كانت تبدو دائماً ككتلة صلبة و موحّدة أمام الاعتقالات التعسفية، لكن اعتقال الحمد أظهر وجود درجة من التمايزات الداخلية بين أعضاء الجمعية، د.عبدالله الحامد و د.محمد القحطاني على وجه التحديد. و بينماقدّمالقحطاني بالذات وجهاً متّسقاً لمواقف حسم،أثار موقف الحامد رَبكة الشباب المؤمنين به كرمز إصلاحي.لم تكن تلك لحظة جيّدة للمزايدة أخلاقياً على أشخاصٍ يُحاكمون في قضيّة و يُحقق معهم في أخرى؛ لكنها كانت لحظة ممتازة للتعرّف على التمثلات العمليّة للمفاهيم النظرية التي ترد في خطاب حسم، طالما أنها و أعضاءها باتت أحد رموز الإصلاح السياسي في السعودية، فأصبح من اللازم التعرّف على تطبيقات الإصلاح السياسي الذي تقود إليه.و إذا كانت المزايدة على شجاعة أبي بلال مستحيلة، فإن المزايدة على تصوراته و مفاهيمه عن الحرية ممكنة، و ربما ضرورية؛ طالما أننا نؤسس الآن ملامح مرحلة قادمة.

ثم هناك شريحة من أهالي المعتقلين، قدّمت للمجتمع معروفاً لن يُنسى بتطبيعها العملي الشجاع للتظاهرات و الاعتصامات و الإبداع الاحتجاجي طوال عامين مضيا، لكن بعضهم عند اعتقال تركي الحمد؛ بدأ يطالب بـ”قطع رأس الزنديق الملحد”، (أحدهم كان في تغريدة واحدة يدافع عن والده المعتقل و يحرّض على الحمد). و هذه المواقف شكّلت صدمة لمن كان يُراهن على أن عذاباتهم قد تغيّر أفكارهم و إدراكهم، و لمن كان يراهم رمزاً حقوقياً، و الحقيقة أنهم لا هذه، و لا تلك. الخطأ في هذه الحالة تأسس في وقتٍ أبكر، عندما أُلقـِيَ على هؤلاء الأهالي رداء دورٍ لم يطلبوه، و لا هم بالقادرين على لعبه. تأسس الخطأ عندما اعتُبر حراك أهالي المعتقلين حراكاً ضد الاعتقال التعسفي عموماً، بينما هو حراك ضد الاعتقال التعسفي “لأبنائهم”، و الفرق واضح، إن قضيّتهم قضية شخصية، قضية عائلة تطلب ابنها، أو تيّار محدد يُطالب بمعتقليه؛ لكنه ليس حراكاً من أجل الحقوق مطلقة و مُجرّدة، ليس حراكاً من أجل “مفاهيم”. تحويل قضية أهالي المعتقلين من قضية شخصية إلى قضية عامّة، كان سببه أنّهم الفصيل الاجتماعي الوحيد الذي يملك كفايته من الأسباب الشخصية ليغامر بالنزول إلى الشارع ضد السياسات الأمنية، فألقى تيار الإصلاح السياسي (الذي يعجز عن تنظيم تحركاتٍ على الأرض) على كاهل هذا الحراك تفسيراتٍ و معاني غير موجودة أصلاً ضمن النسق الفكري لأغلبهم، و تشهد على هذا تعليقاتهم العفوية الموجودة في صفحات تنسيق أنشطتهم، منذ العام الماضي.و قد استفاد أهالي المعتقلين بدورهم من التفاف الإصلاحيين حولهم، حتى فرض اعتقال الحمد تمايزاً بين الطّيفين. و تصويب هذا الخطأ لا يكون – بالطبع – عبر الانقلاب على هؤلاء و لا بإنكار حقوقهم. تصويب الخطأ يحتاج إلى إعادة موضعة قضية أهالي المعتقلين ضمن أبعادها الحقيقية، و مراجعة و ضبط نوعية الخطاب الإصلاحيحول قضيتهم. ذلك أن كثيراً من المواقف المتعاطفة معهم تجنح إلى الخلط بين “تأييد حقوقهم كمعتقلين و أهاليهم”، و “تحويلهم إلى رموز للحقوق”، و الأكيد أن المعتقلين و أهليهم يصلحون رموزاً للمظلومية في هذه البلاد؛ لكنهم لا يصلحون رموزاً للحريّة المنشودة.

مرت ثلاثة أسابيع على اعتقال تركي الحمد. خلال هذه الفترة عاد شعار “لا حرية لأعداء الحرية” إلى الارتفاع مجدداً، لكن الجديد أنه يتردد هذه المرة بين بعض المهتمين بملف الاعتقال و الإصلاح السياسي على إثر المواقف الـمُربكة الآنفة. و الحال أنهُ أمام مواقف كهذه، إما أن يتم تفتيت الإصلاح السياسي و تضييق مفهوم الحرية أكثر فأكثر؛ أو أن يتم رفع سقف الحرية و توسعة مفهوم الحرية أكثر من قبل. شعار “لا حرية لأعداء الحرية” بطبيعته يتلاءم مع نظامٍ قمعي، لأن المواطن أصلاً لا يشعر بالتهديد و الخوف من “أعداء الحرية” إلا في نظام قمعي يعلم يقيناً أنه يبني قراره على أساس خليط من المزاجية و الوشايات و التحريض و المقايضات السياسية و الاجتماعية، بما في ذلك “التحالف مع أعداء الحرية” ضد باقي المجتمع، أما في نظام يتأسس دستوره و مؤسساته على صيانة الحريات؛ فلا يقلق الإنسان عادة مهما تكاثر حوله “أعداء الحرية”، لأن الحقوق الدستورية لا تخضع لمزاج أحد، و لا لتحريضه. يمكن القول أن شعار “لا حرية لأعداء الحرية” يمثل الحرية على قياس نظامٍ قمعي، و اعتناقه نوعٌ من الاستجابة البائسةلواقعة قمعية كاعتقال تركي الحمد.

الخيار الآخر أمام هذه التمايزات و الاختلافات المُربكة حول مفهوم الحرية، قد يكون في رفع سقف مفهوم الحرية أكثر، رفعه إلى حدٍ يجعله أعلى من متناولمن يرغب في تفصيله على قياسه وحده. يتجنّب تيار الإصلاح السياسي في السعودية عادة الخوض الصريح في قضايا حرية الرأي و التعبير، الحريات الفردية، حرية الضمير و الاعتقاد و العبادة؛ ليتحاشى تنفير مجتمع لا يزال مسكوناً بالمخاوف من “الشيعة” و “المرأة” و “الملحدين”، لكن بفعل مفهوم “الحرية بالحدّ الأدنى” هذا؛ تخلّق هذا الموقف الغريب الذي فيه آلافٌ من الأشخاص يلهجونبالحرية، لكنهم يقصدون حرية “س” من الناس تحديداً و تخصيصاً، و لا أحد و لا شيء سواه. من المهم الآن أن يكون خطاب الإصلاح أكثر تحديداً و صراحة في هذه الموضوعات الحرجة، و إذا كان ذلك مُنفّراً لمن يؤمن بـ”الحرية لهيلة القصيّر”، فإنه جذّاب لمن يؤمن بالحرية للجميع. الأمر الآخر، هو أن يدرك الإصلاح السياسي ذاته و يقدّمها كحركة مستقلة و أوسع كثيراً من قضية الاعتقال و حراك أهالي المعتقلين. فاستمرار الاتكاءعلى تحركات هؤلاء و شجاعتهم، مع عجز عن إنجاز أو ابتكار تحركات و أنشطة مُستقلة تعبّر عن منظور إصلاحي واسع و مُركّب، يُبقي الإصلاح السياسي و الإصلاحيين رهينة العنصر الأنشط على الأرض، أياً يكن هذا العنصر، و كيفما كان الاتجاه الذي يأخذ إليه.

خاص بموقع “المقال”.

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

رد واحد إلى “اعتقال تركي الحمد.. و تحرير الرموز”

  1. نحن نكافح الإرهابيين ومن يدعو الى الإصلاح بنفس الإسلوب
    وهو الإعتقال والمعامله بالمثل مع الفرق الشاسع بين الطرفين
    لدى الشعب السعودي في نظرته لهئولاء واوئلك وهذه الإستراتيجيه لن تجدي نفعا بقدر ماتئودي الى نتائج عكسية
    شئنا هذا ام ابيناه وهذه حقيقة يدركها ابسط الناس …والدكتور
    تركي كل نشاطه ينحصر في الإصلاح من اجل استقرار هذا
    الوطن وراحة اهله جميعا واعتقاله لن ينهي تطلعات الناس الى
    المطالبة بما طالب به الحمد فلم يعد تركي حالة فريدة فهناك
    الكثير والكثير جدا ممن على شاكلته لأن الغالم اصبح قرية
    صغيرة ونحن بشر طبيعيين مثلنا مثل عيرنا نتطلع الى حياة
    افضل افضل …وحجة اننا شعب لنا وضع خاص هذه حجة
    هزلية قد جرى استهلاكها منذ زمن طويل …ان الصالح العام
    يقتضي استيعاب مستجدات عصرنا ومتطلباته لينعم هدا
    الوطن بالإسقترار الذي نتمناه له ولنا جميعا

دع ردأً

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق