لماذا تحترم “الأسد” بقية الحيوانات؟

الكاتب:

12 أكتوبر, 2011 لاتوجد تعليقات

“في مكان ما ثمة بشر وقطعان ولكنهم ليسوا هنا حيث نعيش يا إخواني. فهنا ثمة دولة.. آه، دولة؟ وما الدولة؟! فلتصغوا جيداً إلي، ففي نيتي أن أحدثكم الآن عن مصرع الشعوب. 

الدولة هي اسم أشد الوحوش لا مبالاة وهي تكذب في لا مبالاة. وتخرج الكذبة هادئة من فمها فتقول: أنا الدولة.. أنا الشعب.. وهذا محض افتراء!، فالخالقون هم الذين خلقوا الشعوب وزودوها بالإيمان والمحبة وبذا أصلحوا الحياة . أما من ينشدون العدم فينصبوا الفخاخ في طريق الكثرة ويسمونها دولة ويشهرون السيوف، ويغرسون في النفوس عشرات الشهوات.

 كل شعب له لغته الخاصة عن الخير والشر لا يفهمها جاره قد اخترع لغته من عاداته وحقوقه، أما الدولة فتكذب بكل لغات الخير والشر وكل ما تقوله كذب وكل ما تملكه قد سرقته

هكذا تكلم زرادشت – نيتشه

 لوهلة تبدو الفوضى هي النظام الوحيد والمتعارف عليه في الغابة، لا وجود للجان تنظيمية، هيئات شرعية، أو ديواناً للمراسم الملكية أو حتى الرئاسية، ولا حتى وزارة تهتم بشؤون العمل والعمال، ولا لأي نوع من أنواع النقابات.

ويشير الإنسان المدني الحديث بتعبير : “نظام الغابة” كوصف يستخدم عندما تبدو الأشياء غير منتظمة، وتصل المنافسة إلى درجات عالية يأكل، فيها القوي الكائن الأضعف.

ويلخص هذا الاستخدام الفارق الوحيد –تقريباً- والذي يميز الإنسان عن سائر كائنات الأرض، في أنه –هذا الإنسان المدني الحديث- يستطيع إنكار حقيقة ذاته، ليواصل مسيره!.

تخيلوا أن هذا الناسك الذي يتحدث بتهكم عن صراع هذه الحيوانات من أجل البقاء، هو الكائن الوحيد الذي أقام الحروب للمتعة، ويمارس القتل كهواية!، والذي لا ينفك يجد المبرر تلو الآخر كي تتوارى خلفه أفعاله المشينة، بينما هذه الكائنات التي يتحدث عن بدائيتها وبهيميتها، بهيمية وبدائية فقط لأنها لا تكذب!.

وعلى الرغم من “أداة تقشير البطاطس”، “الدي في دي المنزلي”، و”خدمات غسيل الملابس المستعجلة” تبدو حيوانات الغابة أكثر سعادة من معظم البشر، ويرى دون هيرولد الكاتب والفنان الأمريكي –وأحد البشر المعنيين بالمسألة- أن: “الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يلعب البوكر” مسقطاً بذلك إمكانية وجود فوارق أخرى حقيقية، لكن التجربة تثبت أن الإنسان كذلك لا ينجح في محاولة بلوغه هذا الشبه، لهذا يبدو حائراً، يفقد وجه مع كل مرحلة يتغير فيها وجه عالمه، ووجهه على حد سواء.

وعالم اليوم والذي يتطهر جزءه الأوسط من الشرق، بما يصطلح الجميع على تسميته بـ: “الربيع العربي”، على الرغم من حجم الدعاية التي بذلتها أنظمة هذا الجزء من العالم، لإقناع الجميع بأنها مستقرة، “ومسيطرة على الوضع تماما”.

المفارقة، أنك وبمقارنة بسيطة جداً تكتشف أن جميع حيوانات الغابة المحكومة بنظام ملكي، هي أكثر رضا وسعادة من أي من مواطني الدول العربية، من المحيط إلى الخليج.

لا يوجد إحصائيات لعدد من قضوا نحبهم على يد “الأسد” في العام الماضي، لكننا بالتأكيد لسنا بحاجة إلى إحصائيات رسمية لنكتشف من خلالها أن أعداد جميع قتلى العاهل: “الأسد” في جميع غابات العالم، لا تصل إلى ربع أعداد من لقوا حتفهم على يد أكثر الزعماء العرب رحمة.

والمفارقة أيضاً أن العاهل: “الأسد” لم يسجن طوال تاريخ حكمه الممتد أياً من الحيوانات!، حيث لم تكتشف هذه الحيوانات البدائية بغريزتها طريقة صنع سجن يتمكن “الأسد” من خلاله تصفية خصومة ومعارضيه، بينما تتجاوز السجون في بعض البلاد العربية أعداد منازل مواطنيها.

وعلى الرغم من أن “الأسد” لم يصرف دولاراً واحداً على أية دعاية، ولو ذرعت غابات العالم شبراً شبراً لن تجد صورة تعلو أحد الأشجار يظهر “الأسد” فيها مبتسماً وتعلوه عبارة: “الله – الأسد – الغابة”. وسينقلب إليك بصرك مرة بعد مرة خاسئاً وهو حسير، كلما حاولت البحث عن عنوان صحفي يعد فيه معالي “الأسد” بإصلاحات سياسية واجتماعية، أكره أن أصدمك يا صديقي، لكن حكومة “الأسد” لا تمتلك أي مليم في أي صحيفة من صحف الغابة، بل أن الغابة تخلو من أي مؤسسات صحفية!.

هذا النظام البسيط في الغابة والذي يسخر منه مثقفي العالم العربي بقولهم: “وأصبح الوضع شبيهاً بنظام الغابة، يأكل فيه القوي الضعيف …”، وهم لا يعلمون أن هذا النظام أكثر استقراراً من جميع حكوماتهم، على الرغم من اختلاف الأفكار العلنية التي قامت عليها هذه الحكومات، بملكياتها، وجمهورياتها، وغيرها من أنظمة الحكم التي تشترك -في حقيقية الأمر- في أنها تقوم على جماجم شعوبها.

لأن “الأسد” لم يستخدم قرداً مُفضلاً للوشاية على فصيلته، وبقية فصائل الحيوانات الأخرى. ولأن “الأسد” لا يمتلك مخططات شاسعة في كل جزء من أجزاء الغابة، بغض النظر عن حاجته الفعلية لها. بل إن “الأسد” العظيم لم ينم يوماً من الأيام في عرينه، دون أن يمتلك كل حيوان من حيوانات الغابة نصيبه من أرضها.

أيضاً لم يسبق أن وضع السيد الحكيم أياً من أبنائه، كـ: “حيوان برمائي” بينما هو يغرق في شبر ماء!، ولاعتبارات وجود العديد من حيوانات الغابة البرمائية والتي تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه.

لأنه –ولكونه حر بشكل كافٍ- لا يرى بضرورة سلب حريات الآخرين كي يظهر ما لديه. ولأن الغابة لا تحتوي على أية مثقفين، ولا توجد صحافة، ولأن أغصانها ألين من أن تحمل شيئاً من النفاق تظهر فيه: صورة تطالب “الأسد” بالإسراع بالعودة إلى غابتهم، لأن الحيوانات تعلم جيداً أن الغابة التي تقوم على شرط، غابة ناقصة.

لهذا، يبدو النظام هُناك مستقراً، ولكل ما ذُكر في الأعلى: تحترم “الأسد” بقية الحيوانات.

خاص بموقع “المقال”

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لا يوجد مقالات ذات صلة

لا توجد تعليقات... دع تعليقك

دع ردأً

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق