بؤس الخطاب الجمعي: الفردية هي أساس الحرية (١-٢)

الكاتب:

26 مايو, 2013 لاتوجد تعليقات

في مقال سابق لي كتبت عن مبررات الخطاب القومي من حيث تكوينه وأساسه وتعارضه مع القيمة الأصلية للإنسان بوصفه كائنًا من المفترض أن يكون هو الأساس لأي نظرية إجتماعية أو سياسية حديثة. ثم كتب سلطان العامر مقال ”بؤس الإنسانوية“ بجزئيه الأول والثاني يرد فيه على مقالي. وقد أسعدني أن يكون مقالي دافعاً لتعليق الصديق سلطان العامر، وذلك لأن مقالة الرد كانت تحمل كثيرًا من العرض للأساس الفلسفي الذي أريد التحدث عنه في مقالي هذا. وقبل أن أرد على تفاصيل مقال العامر أحب أن أضع مقدمة تاريخية ضرورية لفهم السياق التطوري لمفهوم الحقوق.

 القانون الطبيعي

يجب أن نفهم بداية أن هناك فرقًا بين تكون القانون الطبيعي بوصفه مفهوما فلسفيا محددا داخل سياق غربي تاريخي وبين وجود روح القانون الطبيعي في الفكر الإنساني بشكل عام. وهذا التفريق مهم للحكم على القانون الطبيعي عما إذا كان حقيقته منتجا غربيا أو لا. لأن دون فهم جوهر القانون كفكرة موجوده ومتواردة عالميًّا سيحيل التعامل معه كمنتج استهلاكي غربي يُقبَل أو يُرفَض بناء على مواقف شخصية غير موضوعية.

 كما هو معلوم أن أي مصطلح معرفي يُتناقَش حوله لا يُمكن أن يخترع من العدم، كل المصطلحات الفلسفية والسياسية تكون عادة وليدة سياق ثقافي. وعليه فنحن هنا نسلم بأن مفهوم القانون الطبيعي يجب أن يكون نتيجة حوار داخل بيئة ثقافية معينة. وهنا أريد أن أعود لبداية تكونه باعتباره مفهوما فلسفيا في العصر الحديث عند الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز ( ١٥٨٨- ١٦٧٩)م. في بيانه لأهمية خضوع أي إنسان للسلطة يقرر هوبز أن هناك حالة أصلية للإنسان اسماها ( State Of Nature ) ويعتقد بأن هذه الحالة الأصلية هي فوضوية ولا يمكن العيش فيها وذلك لأنه يعتقد بان الطبيعة البشرية تحمل في ذاتها نزعات فردية خالصة، وأن كل فرد سيلجأ لتحقيق مصلحته الذاتية قبل أن يفكر بأي شكل من أشكال التعاون الأخرى. ولهذا يقرر بأن السلطة يجب أن تكون مبررة لأنها تحمي الإنسان من هذه الفوضوية. من هنا يرى هوبز بأن الأصل في الإنسان هو الفردية وأن خضوعه لسلطة جماعة هو ضرورة لحماية الفردية ولكنه لا يلغي وجود الفردية في ذاتها. المشكلة التي وقع فيها هوبز هو أنه يرى أن الأفراد المكونين للعقد الإجتماعي عليهم أن يختاروا حاكما مطلقا يتنازلون له بناء على الثقة عن كل حرياتهم لكي يديرها هو، ولا يرى بأن للأفراد حقا في نزع الثقة من هذا الحاكم لأنه يخشى من إن وجود إمكانية لعزل الثقة عن الحاكم ستولد حالة من الفوضى وبالتالي ستضيع حقوق الأفراد في حالة نزع الافراد هذه الثقة، ( هذا يشبه النظرة الكلاسيكية السلفية في مفهوم البيعة وعدم الخروج على الحاكم الظالم لأن ما سيترتب على الخروج أكبر من البقاء تحت حكمه).

 بعد ذلك أتى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٦٣٢-١٧٠٤) م واختلف مع توماس هوبز في نظرته للطبيعة البشرية والذي قال عنها هوبز في تعبيره الشهير ” الإنسان ذئب أخيه الإنسان“ بأن عد الأخلاق موجودة في الطبيعة البشرية وأن وجودها هو ما يدفع البشر إلى عمل تعاون فيما بينهم سينتج بالضرورة حالة من العقد الإجتماعي الذي هو صيغة الدولة. لكن حتى جون لوك اعتمد على أن الفرد له كيان منفصل عن الدولة، وأن الفرد هو من يضع حريته لدى الحاكم الذي يختاره ليس تنازلاً كما هي عند هوبز ولكن ”كوديعة“ وله الحق بأن يسترجعها متى ما أراد لينقلها لحاكم آخر. ولهذا يقرر جون لوك بأن الحاكم يجب عليه أن يترك بعضًا من الحقوق الطبيعية للأفراد بما يكفيهم. وأيضًا يعد بأن هناك صورة من الحق الطبيعي موجودة كفردية قاعدة للانطلاق نحو العقد الاجتماعي.

 إن الدافع لدى جون لوك لاعتبار أن الأخلاق هي جزء من الطبيعة البشرية هو أن الفرد كان يعيش في وفرة ولكن هذه الوفرة سرعان ما انتهت بسبب استخدام النقد، حيث إن النقد دفع الأفراد لجمع أكبر قدر منه، وبالتالي الوفرة الموجودة في الطبيعة لم تعد موجودة لان اعتماد الأفراد أصبح منصبا على جمع النقد، وهذا ما يستلزم وجود علاقة تنظيمية داخل المجتمع لحماية الأفراد من الاعتداءات على بعضهم البعض.

بعد هوبز وجون لوك تطور مفهوم العقد الاجتماعي عند الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (١٧١٢-١٧٧٨)م. روسو ار عد العقد ليس بين الأفراد والحاكم بل هو بين أفراد الشعب أنفسهم. أي أن الأصل التنظيمي يكون بين أفراد الشعب، ولهذا عدَّ أن السلطة هي تنبع من الشعب. وهنا روسو يجعل من إرادة الشعب سُلطة مطلقة وفيها تذوب الفردية. وروسو يعد السُلطة دائماً ما تعبر عن إرادة الشعب كجماعة وتستمد شرعيتها منه ولهذا لا يجب أن تتعارض السُلطة مع الإرادة الشعبية ولكنه بنفس الوقت يجعل كل السُلطات بيد حاكم واحد. وروسو لا يرى بأن فصل السُلطات تنفيذية وتشريعية عن بعضها ويعيد ذلك لسبب رؤيته أن فصل السُلطات يضعف السُلطة ويجعلها مفتتة وستفقد قوتها في الحفاظ على أمن الشعب.

 وكما نرى من هذا الاستعراض الموجز لفلاسفة القانون الطبيعي أنه وعلى الرغم من اختلاف رؤيتهم لشكل السُلطة والأسس التي يُبنى عليها العقد الإجتماعي، إلا أنهم ينطلقون من أن الفرد ككيان ذاتي هو الأساس لصياغة أي عقد اجتماعي أو وهو المحدد الأول لشكل السُلطة المترتبة عليه.

 الآن يتبادر للذهن السؤال: هل حالة الفرد الحر ذو الإرادة الحرة كحالة طبيعية عند هوبز ولوك وروسو الذي يعد أساسا لفلسفاتهم في العقد الاجتماعي هي ” ميتافيزيقيا“ ليبرالية وحالة خاصة بسياق ثقافي غربي فقط ؟ بمعنى أنه لا يُمكن اعتبار جوهرها الفكري هو مشترك إنساني ؟

إن حقيقة وجود الأصل الطبيعي من عدمه ليست قضية أساسية في هذا المنطلق، لأنه يُمكن أن يُتعامَل معها كافتراض لبناء نظرية فلسفية، الجوهر الذي لن يخل بنظرية أي من الفلاسفة أعلاه ليس في وجود حالة الطبيعة بذاتها بقدر ما يُتعامَل على أساسها وعما إذا كانت ستكون تلك الحقائق منتجة لصالح الأفراد أم لا. وفي الحقيقة أن جوهر الفردية الذي يعني حرية الإرادة الذي اعتمده فلاسفة العقد الاجتماعي ليس حكرًا عليهم بل إن له أصلا موجودا عند كثير من الأمم، بل إن الإسلام نفسه ينص على أن الإنسان له حرية الاختيار كفرد وليس كجماعة، ولهذا نرى في القرآن أن التكليف دائمًا يأتي للفرد كونه هو الأساس في الوجود، حيث ربط الله في القرآن غاية الوجود وهي الإيمان به كإله بحرية الاختيار عند الفرد، يقول تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) ٢٥٦/البقرة. ويقول تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) ١٣/الحجرات. وهنا ابتدأ الله في خطابة نحو الفرد الذي هو من ذكر وأنثى ثم انتقل تدريجيًّا نحو الجمعية القبلية والشعوبية، والآيات التي تخاطب الإنسان كفرد كثيرة.

وهذا ما نراه في تعبير عمر ابن الخطاب في مقولته الشهيرة ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) أي أن الأصل عند الإنسان هو الحرية، ومقولة علي ابن ابي طالب (الناس صنفان اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).

كثير من الأمم بنت منظومتها الفلسفية السياسية بناء على فرضيات هي في حكم العلم ليست أكثر من كونها ميتافيزيقيا، فأغلب دساتير الدول الغربية تقوم على مفاهيم هي بالأساس تخيلية غير واقعية وإنما تجسد حالة من التصور الثقافي القائم على فرضيات ليست موجودة على أرض الواقع، فمثلاً الحدود بين الدول هي افتراضات تخيلية يُوافَق عليها وليست موجودة في الواقع ولكن يُتعامَل بين الدول على أساسها وتنص عليها الدساتير. كذلك الأعراف الإنسانية هي افتراضات قائمة بين أفراد يُتعامَل بينهم على أساس افتراض التسليم فيما بينهم على هذه القيم والأعراف. فلماذا يُعد الأساس الفردي الذي تقوم عليه الحقوق الفردية مجرد ”ميتافيزقيا“ ليبرالية؟!

 ومن جانب آخر وباستثناء التصور الديني القائم لشكل الدولة، فإن كل المفاهيم الجمعية مثل الوطنية أو القومية هي مخرجات تطورت في سياقات غربية صرفة، ومع هذا كثير من الأمم تبنت مفاهيم تطورت في سياقها الغربي وقامت بقولبتها اجتماعيا بما يتناسب مع بيئتها وظروفها الإجتماعية.

حقوق الإنسان

تقوم فكرة حقوق الإنسان أن لكل إنسان على الكرة الأرضية مجموعة من الحقوق نابعة من كونه إنسانًا بغض النظر عن عرقه أو دينه أو ثقافته أو جنسه. وهذه الحقوق تستقي مشروعيتها من الاعتراف بها بين جماعة من البشر. هي تشبه أي قيم محلية يتفق عليها جماعة من الناس ويتعاملون في ضوئها. لا نختلف بأن تطور الحقوق كان بإسهام عدة ثقافات مختلفة في العالم، وبمشاركة أديان نابعة من ثقافات مختلفة، مثل الإسلام والمسيحية والثقافة الكونفوشيوسية وغيرها من ثقافات الشرق الأقصى. وعلى الرغم من أن بعض الثقافات جعلت مصدر هذه الحقوق تشريع إلاهي ديني ”وهذا طبيعي كون مدخلات التطور الحضاري للأمم مختلفة“ إلا أنه في النهاية صِيغتْ مجموعة من الحقوق والمبادئ التي تكونت في إعلان عالمي يحض الدول والجماعات السياسية الحكومية وغير الحكومية وكذلك المؤسسات الأهلية والفردية على احترامها والعمل على ضمانها، ليس فقط حماية للإنسان كفرد مكون لهذه التجمعات البشرية، بل أيضاً لوضع مرجعية أخلاقية يمكن أن يتشاركها البشر حول العالم.

وعند صياغة الإعلان العالمي، روعي الاختلافات الثقافية بين الدول، بحيث إن الإعلان ركز على جوهر المبادئ ليس على التطبيقات بصفتها شكلا محددا. وهذا دافع الواضعين لهذا الإعلان ليكون مجموعة قيم يمكن أن تتبناها كل الدول في العالم. ولهذا نرى أنه على الرغم من تحفظ كثير من الدول على بعض التفاصيل في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا أن معظم الدول أجمعت على تبنيه. وما يميز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه لم يكن صيغة قانونية بقدر ما كان قيما مشتركة دافعة لتحسين حقوق الإنسان حول العالم، أي بوجود مرجعية أخلاقية مشتركة أسهمت في تحسن حقوق الإنسان على الأقل بشكل قانوني حول العالم.

تنقسم بنود حقوق الإنسان إلى أربع مجموعات أساسية وهي:

١- الحقوق الفردية والشخصية.

٢- حقوق علاقة الفرد بالجماعة السياسية أو الدولة.

٣- الحريات العامة والحقوق السياسية.

٤- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وتنتمي كل البنود الثلاثين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى هذه الفئات الأربع، وبنفس الوقت أن الشكل التطبيقي لهذه الحقوق قد يختلف من دولة إلى أخرى، وهذا يعود بالطبع إلى كون المفاهيم العامة المشتركة بين البشر يُمكن أن ترى وتُفسر بشكل متنوع عالمياً.

هناك ثلاثة اتجاهات رئيسة لنقد حقوق الإنسان:

 الأول: هو الاعتراض النابع من النسبويين، وهم يرون بأن كل الأخلاق والحقوق والقيم نسبية، وأن الإختلافات الثقافية هي من تحدد القيم الذاتية للإنسان، وبناء عليه لا يُمكن أن يكون هناك شيء مشترك قيميًّا بين البشر.

الثاني: يتفق على معظم لائحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن يختلف بشكل جزئي على بعض البنود التي تتعارض مع ظروف محلية سواء أقتصادية أم ثقافية.

الثالث: هو الاعتراض على كون القيم المشتركة بين البشر يُمكن أن يجسدها هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي صيغ بشكل ينحاز للقيم الغربية، أي أنه يخدم مصالح الدول الاستعمارية تحديداً ولا يخدم أحد غيرهم.

الفئة الأولى: اعتراضاتها ستحيل كل شيء في العالم إلى نسبية تامة، وهذا يعني أن لا شيء ثابت، وأن كل القيم ستخضع لمعايير مختلفة، أي أنه لا توجد قيم عليا يُمكن أن تكون مرجعية في ذاتها. هذا الأمر سيحول الواقع البشري إلى واقع لا أخلاقي. ببساطة بأنه اذا وجدت هناك أمة على وجه الأرض انتهكت حقوق الإنسان تحت غطاء الاختلاف الثقافي، فإنه لا يُمكن أن يجرم هذا الفعل لأنه وفقاً لمعاييرهم الأخلاقية سيُعد هذا الفعل نابعًا من تكوينهم الثقافي. أي إذا اتفق مجموعة من البشر على أن من يصطاد حيوان معين أو  يلبس لبس معين بأن يعاقب بالإعدام فليس من حق أحد أن يجرم الفعل كونه راجعا لتكوينهم الثقافي وهذا التكوين يعطيهم الحق في تصرفهم. وهذا الموقف يشبه موقف سلطان العامر حينما يقول في معرض رفضه لحقوق الإنسان ” كل فرد يولد ضمن جماعة سياسية، لا يمكن أن يوجد فرد في العراء، بل يولد ضمن جماعة سياسية تتعهده في سنواته الأولى التي لا يستطيع فيها الاعتماد على نفسه بالرعاية والتنشئة والتربية التي تغرس فيه قيم هذه الجماعة ولغتها وتاريخها.“ ثم يستطرد في نهاية الفقرة ” فكما أن الجماعة السياسية توفر الحماية للفرد فهي تتوقع منه التضحية لأجلها، وكما أنها توفر له الحرية فهي تتوقع منه التقيد بأعرافها وقوانينها….إلخ، وهذه العلاقة التي أوصفها هنا هي العلاقة التي حكمت علاقة الفرد بقبيلته، وعلاقته بقريته، وبعشريته… عندما كانت القبيلة والقرية والعشيرة جماعات سياسية“ أي أن الأخلاق والأعراف المحلية هي القيمة الأخلاقية العليا التي من الواجب على الفرد أن يتقيد بها كونه داخل هذا السياق الثقافي المحلي.وهذا يدفع بأن يؤطر الإنسان نفسه ويقولب مفاهيمه للخير والحق والعدل بما تقتضيه ثقافته وسياقه الثقافي وأن يكون جزءًا منها ولا يشذ عنها لأن الجماعة السياسية والثقافة المحلية هي مصدر الحق والعدل بما ترتضيه من خلال تاريخها ودينها.

ثم إن هذا التصور سينسحب بالضرورة على جماعات سياسية مختلفة لكل منها قيم وأعراف تحددها هي بناء على ما تراه دون أن يكون هناك مرجعية أخلاقية جامعة لهم. وهذا سيجعل الحكم بين أي جماعتين سياسيتين متصارعتين متعذر, لأنه لن تكون هناك قيمة أخلاقية مرجعية، وأن الحلول لن تتجاوز تسويات تفرض حدودها القوة العسكرية والاقتصادية لأطراف النزاع. وكمثال سريع وبناء على هذه القاعدة، فإن استقلال دول الاتحاد السوفيتي عن روسيا سيكون متعذرًا لانه سيكون خاضعا لقانون روسيا كونها الدولة الأقوى اقتصاديًّا وعسكريًّا.

الفئة الثانية: وهي حالة أغلب الدول الوطنية في هذا الزمن من التي وقعت على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تحفظت على بعض البنود التي تتعارض بشكل واضح مع بنيتها الثقافية، مثل السعودية تحفظت على البند الخاص بالمساواة بين الجنسين في الزواج، وأن أي شخصين بالغين عاقلين لهم الحق في تكوين أسرة، حيث إنها وجدت أن هذا البند قد يتعارض مع شروط الزواج الشرعي في السعودية كون الشرع المطبق محليًّا يضع شرط موافقة ولي المراة كجزء من عقد الزواج. وهذا التحفظ ليس تحفظا شاملا بل هو جزئي، ولهذا ما زالت لائحة حقوق الإنسان معترفًا بها ووقعت عليها السعودية كجملة.

الفئة الثالثة: تعتقد بأن لائحة حقوق الإنسان في الصياغة الحالية تخدم مصالح اقتصادية للدول الاستعمارية، أي أنهم يرفضون الإعلان من دافع أن الغاية منه استعمارية وليس اعتراضا على مضمون أن هناك مرجعية أخلاقية تجمع الأمم. وهذا الموقف يتبناه فئة بعض المثقفين والفلاسفة الذين يعملون على مناقشة حقوق الانسان وصياغاتها، وكذلك تستخدمه بعض الدول الشمولية التي ترفض تجريم تصرفاتها تجاه شعوبها كونها في صراع أيديولوجي مع القوى الاستعمارية، وهي بذلك تتستر بهذه الذريعة لتغطية الجرائم التي ترتكبها.وهذه الفئة يجب أن تعي بأن مقاومة القوى الإستعمارية أقوى من خلال تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا رفضه، ومن خلال الاعتراف بأن حقوق الإنسان هي مرجعية أخلاقية يُمكن من خلالها تجريم أفعال القوى الإستعمارية والإمبريالية، كونها تخالف ما تدعيه وما تحتج هي به.

حينما يكون الواقع أصل الأخلاق.

” هذه طوباوية“ جملة يرددها الكثيرون حينما يُتناقَش حول مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان، نسمعها كثيراً وتدفعنا لحالة من الارتياب والتسليم بالواقع كون الشر جزءًا من الطبيعة البشرية وبالتالي يجب التعامل مع الآخرين بناء عليه. الإشكالية النابعة من هذه النظرة أنها تخلط فيما بين أن الشر واقعية وبين تشكيل بنية أخلاقية. حينما تُنزَع الأخلاق عن مجالات تمس حياة الإنسان بدعوى الواقعية نسقط في مستنقع أسود يصور لنا أن قانون الغاب هو ضرورة لا يُمكن تجاوزها أو التخفيف منها وحصر نطاق تاثيرها. هذه النزعة دائماً ما تتولد من خلال التوجهات التي تنظر للأخلاق والقيم كأشياء نسبية تامة. أي أن القوي الذي يفرض رأيه سيكون صاحب العدالة، وعلى المتضررين أن يعملوا على تشكيل قوة مناهضة لينتزعوا حقوقهم بناء على ما يرونه ظلمًا لهم، فلا شيء بالنهاية هو أخلاقي في ذاته، وكل شي سيخضع لمقاربات السياسة وتسوياتها.

نحن بشرًا على الرغم من اختلافاتنا الثقافية وتنوعنا الإنساني إلا أننا لدينا حس مشترك بضرورة الأخلاق، والمصدر الأساسي لهذه النزعة نابعة من التعاطف والقياس على الذات. ودون أي قوانين يستطيع الإنسان أن يستشعر معاناة الآخرين من خلال أن يضع ذاتيته في موقع الآخر ويقيس عليها. أنت تستطيع أن تعرف كبداهة أن فعل معين لا أخلاقي من خلال وضعك لنفسك في مكان الضحية، إذا رأيت شخصًا يغتصب فتاة، ودون أي معرفة قانونية، ستعرف أنه فعل لا أخلاقي وجريمة، فقط لأنك تعتقد أنه لو كنت فتاة فلن تود أن يغتصبك أحد، وبنفس القياس حينما ترى قوى تهجر أناس من ديارهم أياً كانت عرقياتهم أو ثقافاتهم أو هوياتهم فإن حسك الإنساني المحض سيدفعك لتجريم هذا الفعل دون ضرورة معرفة قانونية. وكي تحكم على نظام سياسي بأنه نظام مجرم كل ما عليك هو أن تضع نفسك مكان ضحايا هذا النظام وتتصور هل تقبل بأن يُتعامَل معك بهذه الطريقة؟

هناك قيم أخلاقية مشتركة بين البشر، هذه القيم يجب أن يُنظَر لها بوصفها قيما عليا، تعلو فوق أي قيم ثقافية أخرى، نابعة من كوننا بشرًا نعيش في هذه الدنيا، وجدنا أنفسنا دون إرادة أو خيار منا على ظهر هذه الأرض، وتكتسب تلك القيم قداستها بنفس الطريقة التي نقدس فيها قيمنا الثقافية عن طريق اعترافنا نحن البشر بها. قيمة مثل الحرية على سبيل المثال ليست حكرًا على ثقافة محددة أو مجتمع معين، هي قيمة يُجمع العالم عليها. فقيمة الحرية هي قيمة مطلقة في جوهرها، ولكن كل ثقافة من الثقافات تفسرها بطريقة مختلفة قليلاً حينما تأتي لجوانب ثقافية محددة ومن هنا تكون النسبية كجزء عملي من القيمة الأساسية.

 السؤال هو كيف نجمع بين الرؤية الأخلاقية المثالية التي نُصيغها وبين شروط الواقعية؟

وللإجابة عن هذا السؤال يجب أولاً أن نعترف بالمنظومة الأخلاقية بصفتها صيغة مثالية، ومن ثم نحاول أن نرفع من ظروف الواقع للاقتراب نحو المثالية التي نتفق عليها، دون أن نرهن البنية الأخلاقية بالكامل لكي يصيغها الواقع، ودون رفض الواقع والعيش في المثالية الخيالية ولا أقصد هنا المُتخيلة. فعلا سبيل المثال: قد لا يُوجد صدق مطلق في الواقع ولكن بذات الوقت لا نستطيع أن نرفض قيمة الصدق ونجعل كل القيم الأخلاقية مصاغة واقعيًّا، هنا سنتحول لرؤية نفعية مادية بحته بل أنها أكثر من ذلك قد تكون ميكافيلية أخلاقية، فالأخلاق هنا تسقطبوصفها غاية وتتحول لوسيلة، ويصبح الواقع هو الغاية بمجاراته والاستسلام لشروطه دون محاولة لتحسينه.

خاص بموقع المقال

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لا توجد تعليقات... دع تعليقك

دع ردأً

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق