حول جاهزية المجتمع للانتخابات

الكاتب:

25 يناير, 2013 لاتوجد تعليقات


ربما يكون الحديث عن انتخاب مجلس الشورى قد أخذ صدى واسعًا في الأيام الماضية، أو هكذا يوحي لنا تويتر، بدأ الأمر بوسم يطالب بمجلس شورى منتخب، ثم جاءت تعيينات أعضائه لاحقًا لتعيد للنقاش وهج . في كل نقاش مماثل، يتضح الانقسام بين رأيين مختلفي : الأول يطالب بمجلس شورى منتخب ذي صلاحيات واسعة، و الآخر يرى التمهل خيارًا أفضل، بحجة أن الشعب لم يستعد بعد لخطوة كبيرة كهذه.

أظن أن بالإمكان تقسيم أصحاب كل رأي إلى قسمين مختلفين من ناحية المنطلقات:

أبدأ بالمدافعين عن حقي ( المشاركة الشعبية في القرار ) و ( رقابة التنفيذ ) من ناحية المبدأ، بغض النظر عمن ستأتي به الانتخابات، انطلاقًا من إيمان عميق بالمبادئ، وثقة بأن التجربة الديموقراطية كفيلة بتصحيح نفسها. من باب المفارقة، أذكر ( د. تركي الحمد ) مثالا. في آخر لقاءاته التلفزيونية مع عبد الله المديفر، تحدث بوضوح عن إيمانه بحق الشعب في الانتخاب، رغم يقينه بأن الانتخابات ستأتي بتيارات إسلام سياسي آذته طويلا وشوهت سمعته إلى حد التكفير.

لدينا في القسم الآخر من يدعو للانتخابات لدوافع مصلحية بحتة، تتلخص في ثقته بالقبول الشعبي لتياره وأن الانتخابات هي طريق معبدة لوصوله للسلطة. نجد هؤلاء في تيارات الإسلام السياسي، لدرجة جعلت أحد المغردين في تويتر يعلق قائلا: (أتمنى من الذين كانوا يرون الانتخاب بالأمس رجسًا من عمل الشيطان أن يدعو له اليوم بهدوء، بلا انفعال أو مزايدات).

على الضفة الأخرى، لدينا الممانعون، ويمكن أيضًا تقسيمهم لقسمين :في القسم الأول نجد المنتفعين من الوضع الحالي، من رجال السلطة وأعوانهم، و هم المتضرر الأكبر من وجود سلطة تشريعية ورقابية منتخبة شعبيًّا، توقف مسلسل نزيف الثروة وتضع الخطط للمستقبل المجهول في مرحلة ( ما بعد النفط ) . من البدهي أن هؤلاء سيتصدون للتحول الديموقراطي، بالقبضة الأمنية والتضليل الإعلامي والفتوى الدينية، وسيركزون على أن اختيار ولي الأمر أصلح من اختيار الناس، وأن اختيار ولي الأمر يمثل أرقى صور (أهل الحل والعقد ) في مقابل الدهماء والعوام الذين تساويهم الديموقراطية بالنخب المتعلمة.

في القسم الآخر، نجد فريقًا آخر لا يجادل في كون ما نتحدث عنه حقوقًا أصلية للناس، وإنما يجادل بخصوص التوقيت، بحجة أن التوقيت غير ملائم: إما لخوف حقيقي من تجربة ديموقراطية في بيئة غير ديموقراطية، ستنتج مرحلة انتقالية لا بد منها حتى تترسخ ثقافة الانتخاب في المجتمع، و إما من باب المناورة السياسية لأنهم يرون في الاستبداد القائم خيارًا ( أهون ) من سيطرة محتملة للإسلاميين – أصحاب الترشيحات الأوفر حظاً – قد تؤدي إلى قمع أكبر للمرأة و تضييق أشد للحريات الفردية. ماذا بعد؟

إذا آمنا بكون (المشاركة) و (المراقبة) حقين أصيلين للشعوب، وجب أن تكون المطالبة بهما والسعي لهما من أولويات الخطاب الإصلاحي، ووجب أيضًا الاعتراف بأن الخطاب الإصلاحي متأخر جدًّا عن تهيئة أرضية مناسبة لتجربة ديمقراطية.. لن يكون انتخاب مجلس شورى ذي صلاحيات تشريعية و رقابية حلاً كاملاً، لكنه سيكون خطوة مهمة نحو ديموقراطية كاملة تحجم سلطة الحاكم – غير المحدودة حالياً-، و تكفل محاسبته و تقدم ضمانات كافية للحقوق و الحريات العامة و الخاصة، وهنا لا يصح أن يكتفي المؤمنون بالمبادئ بالمقولة التطمينية الشهيرة ( الديموقراطية كفيلة بتصحيح نفسها مع الأيام)، لأن طبيعة الاستبداد تجعله يخفي تحت طياته أمراضًا اجتماعية خطيرة، لا يكشفها إلا جو الحرية، قد تفوق قدرة المتفائلين حاليا على العلاج.

يفترض بالحراك الحقوقي أن ينشئ خطّاً تثقيفيًّا موازيًا، يتولى زمام المبادرة، بدلا من موقع رد الفعل. ظهرت ردود الأفعال الحقوقية -مثلا- في محاولات تلفيقية للتوفيق بين المطالبات بالإفراج عن المعتقلين أمنيا والمبادئ الحقوقية. مع كامل التضامن مع المعتقلين الذين انتهكت وزارة الداخلية حقوقهم، لا يليق أن نتعامى عن مواقف بارزة لأسماء بارزة من أهالي المعتقلين والمدافعين عنهم، أيدت اعتقال سيدة قادت سيارتها أو مفكرًا مارس حقه في التعبير السلمي، أو مواطنين شيعة طالبوا بحقوق سياسية. كما نرصد هنا أن جمعية مدنية كـ حسم ، يتحدث أبرز أعضائها بوضوح وصرامة عندما يتعلق الأمر بشأن شعبوي كالمعتقلين الأمنيين، في حين تنقسم أصواتهم في القضايا المتعلقة بحرية التعبير، كما حصل مع اعتقال تركي الحمد: وقد جاء موقف القحطاني واضحًا، وراوغ الحامد كثيرًا والتزم الخضر الصمت!

مع كون الخطاب التثقيفي سبيلا للوقاية، هو أيضا سبيل لتثبيت المطالبين بهذه الحقوق قبل تحصيلها، وخصوصًا في بيئة اعتادت السلطة ضرب مكوناتها ببعضها وإشغالها بصراع مفتعل بينها. كان خبر تعيين 20% من أعضاء مجلس الشورى مزعزعا لإيمان بعض المهتمين بحقوق المرأة بمبدأ الانتخاب، لما رأوا أن النساء حصلن على نسبة ما كانت الانتخابات لتحققها لهن. في هذا مثال على خطورة التعويل على التحالفات مع أطراف تشترك في المطالبات دون المبادئ، وينطبق هذا الكلام على التحالفات مع تيارات الإسلام السياسي السائدة، إن أدى التحالف معها للتماهي فيها، والسبب بوضوح كما أسلفت هو الاختلاف على مستوى المبادئ، للشيخ عبد الرحمن البراك، أبرز مراجع السلفيين بالسعودية حاليا فتوى بعدم جواز اختيار الحاكم بالانتخاب، لكونه شأنًا خاصًّا بأهل الحل و العقد، لا عامة الناس! جدير بالذكر أن المثال الأبرز لأهل الحل و العقد في هذا العصر يوجد في إيران، حيث تحولت لطبقة دينية فاسدة تعيد إنتاج نفسها بامتياز. وفي أحد أبرز الكتب المعبرة عن التوجه السلفي بالسعودية ( الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي )، لمؤلفه (فهد العجلان) نجد حديثًا عن وجوب منع (أهل البدع) من الانتخاب إذا كانت مشاركتهم ستمكنهم، ومنع مشاركة غير المسلمين في الانتخابات في البلاد المسلمة إن كانت مشاركتهم ستؤثر في النتيجة، ومنع مشاركة من ( يغلب على الظن ) أن اختياره سيكون لمقاصد محرمة، وهذا كله بعد تأكيد على القول بأن الانتخاب (حق أساسي لكل مواطن ) هو قول بعيد عن الحكم الشرعي.

هذه أمثلة على الطرح الفقهي عند تيار الإسلام السياسي السائد حاليا تعبر عن رؤية تنتهك حقوق الإنسان. وفي ظل سيطرة هذا التيار على المنابر الدينية، وتقصير دعاة حقوق الإنسان في نشر مبادئ الحقوق، ستكون هذه الرؤية أسرع وصولا وتعبيرًا عن المجتمع. هذه الأمثلة تختفي خلف الشعارات الفضفاضة المطالبة بالانتخابات، ناهيك عن كم الفتاوى المحرمة لوسائل التعبير السلمي كالمظاهرات والاعتصامات، ومجلدات الفتاوى التي تقدم طرحًا عنصريًّا تجاه المرأة. والحديث يطول…، وهي للتذكير على أن الاستطراد في المطالبات بالتمثيل الشعبي دون جهد حقيقي لنشر الثقافة الحقوقية ستؤدي إلى استبدال استبداد بآخر، أو في الحالة الأسوأ إلى استبدادين يتفقان على قمع الحريات، و يؤصلان لها قانونيا، لا إلى إنشاء دولة الحقوق والمؤسسات، حيث يتساوى المواطنون في حقوقهم وواجباتهم أمام القانون والدستور.

و رغم كل شيء، أقتبس مقولة الصديق عبد العزيز العصيمي: (يجب أن يُعلم أن الضامن للحقوق والحريات ليست القوانين والقضاء ومؤسسات الدولة، بل الضامن الوحيد لكل ذلك هو التدافع البشري والسعي لانتزاع الحقوق).

خاص بموقع المقال

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لا توجد تعليقات... دع تعليقك

دع ردأً

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق