محاولات التأصيل للديمقراطيّة في بيئة سلفيّة

الكاتب:

6 ديسمبر, 2012 تعليق واحد

 لا يعرف القارئ العربي عن الفكر الديني السعودي إلا ما تواتر عبر عقود من صور متضاربة لتلك الحركة الدينية التي عرفتها بلاد الحرمين خلال القرن التاسع عشر، المعروفة بالوهابية، نسبة إلى زعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي (1703 م)، وهو واحد من أتباع المذهب الحنبلي الذي كان لدعوتهم صدى قويا بالمملكة العربية السعودية وخارجها. ومن دون الوقوف عند المواقف المختلفة من الدعوة الوهابية، التي شهدها العالم الإسلامي عموما، والعالم العربي خصوصا، سواء خلال القرنين الماضيين، نكتفي برصد أهم ردود الفعل الفكرية التي تعرفها بلاد الحرمين، خلال العقد الأول من هذا القرن وبداية عقده الثاني، التي عززت رياح ما يعرف اليوم بـ “الربيع العربي” قوة موقفها وأكدت صلاحية اختياراتها، الأمر الذي جعلها بحق تعبر عن الوجه الآخر للفكر الديني السعودي.

يتعلق الأمر بمجموعة من الاجتهادات الفكرية السعودية الشابة، الساعية إلى إعادة صياغة الفكر الديني السعودي، صياغة شرعية مقاصدية، تهدف إلى تحريره من الطابع السلفي المحافظ للوهابية، من خلال بلورة نموذج سلفي إصلاحي، متصالح مع مكتسبات الحضارة الإنسانية المعاصرة في مجالات الاجتماع والسياسة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وإذا كان الفكر السلفي المشرقي، والسعودي الوهابي، بمختلف تياراته المحافظة، قد غزا الساحة المغربية، وظهر له أنصار وأتباع متفرقون ومختلفون باختلاف توجهاته وتياراته المتشددة، فإن ما يلفت الانتباه هو التأثير المعاكس الذي مارسه أقطاب الفكر المغربي المعاصر على الشباب الإصلاحي السعودي، خاصة الاجتهادات الفكرية والسياسية لراشد الغنوشي ورفيق عبد السلام، والدراسات الفقهية المقاصدية لأحمد الريسوني، ونقد التاريخ السياسي الإسلامي عند كل من محمد عبد الجابري وعلي أومليل وعبد المجيد الصغير.

هذه المحاولات الإصلاحية، شأنها شأن كل الاجتهادات التي تعرفها مختلف أقطار العالم الإسلامي، تقابلها مقاومة عنيفة من أنصار المحافظة والتقليد، الذين قيدوا الوعي وشلوا العقل، وقمعوا ملكة المساءلة والمراجعة في الفكر والسياسة، إلى درجة أن واحدا من الشباب صرح في مقدمة أحد كتبه قائلا: ” فبالنسبة لي يبدو الأمر في تمام الوضوح .. أن حصيلة نشر هذه السلسلة من المقالات ستكون خسارة ( … ) لأنه سينتج عنها مزيد من الشتائم، والتشويه، والطعن في النوايا، والتصعيد من رافعي ألوية المعارك الفكرية ضد المخالفين”.

أشواق الحرية .. نقد الموقف السلفي من الديمقراطية

في هذا الجو الفكري المشحون والمتوتر ظهرت مقاربة نقدية للموقف السلفي من الديمقراطية تحت عنوان “أشواق الحرية” وهو عنوان يعبر عن تطلعات عدد من الشباب السعودي وأحلامهم، شأنهم في ذلك شأن إخوانهم في مختلف ربوع عالمنا العربي.

الكتاب عبارة عن مساهمة في التأصيل لمشروعية الممارسة الديمقراطية باعتبارها أفضل وسيلة (متاحة) لتحقيق المبادئ الشرعية في هيمنة قيم العدل، والمساواة في الحقوق، ورقابة الأمة على أداء السلطة، والحد من تغوّل أذرعة الحكم في مفاصل المجتمع؛ ذلك أن تحرر الأمة العربية، وسيادتها على نفسها، يعد مطلبا شرعيا إسلاميا، فضلا عن كونه مطلبا إنسانيا طبيعيا، فلا عجب أن يصبح حلما تهتف به الشعوب في ميادين التحرير وساحات التغيير.

لكن رغم أن الديمقراطية تعد مطلبا عزيزا للشعوب العربية، فإن التيارات السلفية، بمختلف اتجاهاتها، تتفق على مجموعة من الاعتراضات والردود على الفكرة الديمقراطية، يخصص الكاتب دراسته لمناقشة “هذه الاعتراضات وتقييمها والتعليق عليها. ومن جهة أخرى تقييم موقف التيار السلفي – في السعودية بالذات – من قضايا الحقوق والعدالة، وموقع هذه القضايا في قائمة أولوياته”.

هكذا يحدد نواف القديمي إشكالية دراسته في محورين اثنين، أولهما أن ثمة سبيلين تاريخيين للوصول إلى عرش السلطة، هما سبيل الاختيار وسبيل الغلبة. ومن دون وقوفه عند مسألة مدى شرعية الحاكم المتغلب، فإنه يتساءل هل الشريعة الإسلامية أتت بأفضلية منهج (اختيار الحاكم)، أم بأفضلية منهج (القوة والغلبة)؟

لا يتردد الكاتب في القول أن الحاكم الذي يأتي إلى السلطة عن طريق الاختيار والشورى يكون “أقرب للصلاح والتقوى والكفاءة من الحاكم الذي أتى بـ (القوة والغلبة)”. وما يعزز ذلك هو النصوص الشرعية العديدة  التي تذم فيها شرعة الغلبة والاستئثار والقوة، وتحض فيها على الاختيار والشورى.

أما المحور الثاني من الإشكالية فيتبلور في أن المجتمعات التي يسود فيها حكم الفرد المطلق، الذي لا رقيب عليه ولا مبدل لحكمه، يغلب عليها ممارسة الجور والظلم ونهب مقدرات البلاد والعباد. وتقريب البطانة الفاسدة التي تزيد في غيه وتبارك له ضلاله وتشرع له ظلمه وجوره. أما “المجتمعات التي لا يكون فيها للحاكم مطلق التصرف، ولا يحوز فيها على كل الصلاحيات، بل يخضع لرقابة ومتابعة من قبل أشخاص لا يخضعون لسلطة الحاكم (كممثلي الشعب المنتخبين مثلا) (…) هي مجتمعات أقرب إلى العدل ومنع الجور وإيقاف نهب مقدرات الأمة”.

وإذا كان خصوم الفكرة الديمقراطية من السلفيين يزعمون أن الممارسة الديمقراطية تتعارض مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية، فإن صاحبنا يتساءل هل حقا يوجد “في الشريعة نص صحيح الثبوت وقطعي الدلالة يمنع المجتمع الإسلامي من تعيين مراقبين ومحاسبين للحاكم؟.. أي هل أتت الشريعة بوجوب الحكم المطلق المتفرد للحاكم دون حسيب أو رقيب؟”.

يلاحظ الكاتب أن عددا من رموز الفكر الإسلامي، وفي السعودية خاصة، لا يعترضون على مشروعية العملية الانتخابية التي تفرز مجالس للرقابة والمحاسبة، لكنه، في الوقت ذاته، يستغرب سبب الغياب الكامل لمشروعات المطالبة بالاختيار والانتخاب، عند التيار السلفي؛ “حتى إننا، يقول القديمي، لم نر وثيقة سياسية واحدة – أو حتى مقالا واحدا – لرموز التيار السلفي تطالب فيه بضرورة تطبيق النظام الانتخابي، لتحقيق قدر أكبر من النزاهة في اختيار المسؤولين؟ وفي المقابل كم سنجد كثافة في الممارسات والأقوال التي تهدف إلى تطبيع فكرة التغلب والخضوع؟ .. وكم سنجد من حناجر متخصصة في نقد دعاة الاختيار والشورى والحقوق؟”.

إن القبول بمبدأ “الانتخاب” و”المراقبة” لا يعني بالضرورة إضفاء المشروعية الدينية على الديمقراطية، فما يزال السلفيون على موقفهم الرافض لها ويقدمون لذلك مجموعة من المبررات والحجج؛ من بينها توظيفها الفكرة الشائعة، والقائلة بأن مفهوم الشورى يغني عن مفهوم الديمقراطية الذي لا يلائم خصوصيتنا الثقافية.

ينتهي الكاتب من تحليله للمفهومين، الشورى والديمقراطية، إلى أن “المجتمع المسلم أقرب إلى تطبيق حقيقي (للشورى الشرعية) في حال أخذه بالآليات الديمقراطية التي تتمثل بانتخاب الأمة لمجلس شورى يمثل دور الرقابة والمحاسبة للحاكم وللسلطة التنفيذية، إضافة إلى قيام نظام فصل السلطات، بحيث لا يكون للحاكم سلطة على هؤلاء المستشارين في مجلس الشورى، حتى يحد ذلك من استقلاليتهم وحرصهم على تقديم مصالح الأمة دون الخوف من عقاب الحاكم وسطوته”.

نلاحظ أن الكاتب يوجه غالب نقاشه وتأصيله للديمقراطية إلى مساحة انتخاب مجلس (برلمان) يراقب الحاكم ويمارس التشريع، مع التأكيد على فصل السلطات، ويقلل من الإشارة إلى انتخاب الحاكم نفسه، وذلك في محاولة منه للتكيف مع طبيعة النظام الملكي السعودي الوراثي، وقد أشار إلى أن الديمقراطية يمكن أن تتشكل في نظام جمهوري وفي نظام ملكي دستوري. وهنا يمكن للإخوة في الخليج العربي الاستفادة من تجربة النضال الديمقراطي في المغرب الأقصى، سواء على المستوى الفكري أو على المستوى السياسي، من أجل التدافع التدريجي والهادئ، لإقامة نظام ملكي ديمقراطي وبرلماني، تتمتع فيه الحكومة المنتخبة بصلاحيات حقيقية وواسعة.

وإذا كان السلفيون يزعمون أيضا أن الشورى محدودة بحدود الشريعة الإسلامية في حين أن الديمقراطية ترتبط بالحرية المطلقة، فإن القديمي يستدعي جون استيوارت ميل لدحض فكرة وجود حرية مطلقة، لأن الديمقراطية محددة بقوانين، وأن الشعب هو من يضع الدستور المحدد لهذه القوانين.

لكن ماذا لو رفض هذا الشعب تطبيق الشريعة؟

 ينتصر الكاتب لموقف عدم مشروعية فرض الشريعة بالقوة على شعب رفضها، مستشهدا بموقف  مساند لـ”كثير من كبار العلماء المتفق على رسوخهم الشرعي واستقلالهم السياسي”، من أمثال يوسف القرضاوي، وأحمد الريسوني، والشيخ المحقق أحمد شاكر، وعبد الرحمن عبد الخالق، وعبد المنعم الشحات، وعوض القرني، ومسفر القحطاني، بالإضافة إلى بيانات الأزهر الشريف في الموضوع.

وإذا كان خصوم الفكرة الديمقراطية يدرجون مسألة الارتباط والتلازم بين الفكرة الديمقراطية والنزعة اللائكية، لرد الديمقراطية والاعتراض على أنصارها في العالم الإسلامي، فإن الكاتب يتوافق مع منهج رفيق عبد السلام الذي أنجز أطروحة فكرية ينتصر فيها للفصل بين الديمقراطية والعلمانية، عادًّا أن العلمانية لا تنتج بالضرورة حكما ديمقراطيا وأعطى أمثلة من الصين الاتحاد السوفياتي.

وبالرجوع إلى كتاب رفيق نجده قد قدم ترتيبا معينا للعلاقة بين مفاهيم “الدين” و”العلمانية” و”الديمقراطية”، قوامه فصل ما جرت العادة على وصله، ووصل ما درج التقليد على فصله. ذلك أنه إذا كان الفصل بين الدين والديمقراطية في السياق العلماني من الأمور المشهورة، كما أن الوصل بين الديمقراطية والعلمانية من المسائل المعروفة عند الجميع، فإن صاحبنا لم يدخر جهدا قصد القيام بالعكس، وهو القول بالوصل بين الدين والديمقراطية والفصل بين هذه الأخيرة والعلمانية.

فليست كل نزعة علمانية ديمقراطية كما أن كل نزعة دينية ليست بالضرورة مناقضة للقواعد الديمقراطية. فالديني هو ما يعطي للفعل السياسي روحه وقلبه، ويضفي عليه طابعه الأخلاقي والقيمي، ويحد من نزوعه إلى تحويل السياسة إلى مجرد لعبة للاستئثار بالسلطة والاستحواذ على الثروة.

لا يجد المرء صعوبة في مشاطرة المؤلف الشق الأول من أطروحته المنفتح على ما تقدمه المنظومة الدينية من قيم أخلاقية يمكن أن تسهل عملية تبيئة التقاليد الديمقراطية واستنباتها في تربة المجتمعات العربية، لكن من الصعب قبول المبررات التي قدمها للفصل بين العلمانية والديمقراطية، التي ترتبط في معظمها بتجربة مجتمعات عربية وإسلامية عرفت هيمنة أنظمة مارست سلطتها الكليانية باسم مستعار هو “العلمانية”.

لا يخامرنا أدنى شك أن رفيق عبد السلام لديه من القدرات ما يكفي للتمييز بين منطوق الشعار ومضمون الممارسة، لذلك نستغرب كيف التبس عليه الأمر فسلم بـ “علمانية” أنظمة اتخذت من “العلمانية” شعارا للهيمنة والاستبداد، وسلاحا للنبذ والإقصاء. وهو يعرف جيدا أن العلمانية ليست إلا حلا إنسانيا لتدبير الاختلافات المجتمعية وفي مقدمتها الاختلافات الدينية.

إن مفاهيم “الديمقراطية” و”العلمانية” و”الحداثة”، لا يمكن النظر إليها إلا من زاوية كونها من الملحقات الذاتية للعقل، فهو مصدر هذه القيم الإنسانية ومقياسها في نفس الوقت، وهو العقل الذي لم يكف لحظة عن مراجعة ذاته وملحقاتها في طريقه للبحث عن الحلول الناجعة لما يطرحه عليه الوضع البشري من إشكالات نظرية وعملية، ومن بينها إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، التي اقترح مفهوم العلمانية للتعامل معها من خلال إعادة بناء التفكير الديني بما يؤسس للمسافة الضرورية بين الشأن الديني والشأن السياسي.

صحيح أن هذه المسافة اختلفت بين توجه “علماني” وآخر، وتراوحت ما بين الدعوة إلى الفصل المطلق، الذي يقصي الدين كليا عن الحياة الدنيا، والدعوة إلى التمييز المعتدل الذي ينظر إلى الدين من زاوية وظائفه الاجتماعية والأخلاقية الضرورية، التي ينبغي أن تتم بعيدا عن كل توظيف سياسي أو صراع حزبي، لكن هذا لا يسوغ الفصل، وبشكل قطعي وجازم، بين الديمقراطية والعلمانية من أجل وصل الإسلام بالديمقراطية، كما أنه سيكون من التسرع الفكري الحسم وبشكل نهائي في مسألة عدم إمكانية الجمع بين الإسلام والعلمانية، ما دامت تتطلب مزيدا من النظر والتأمل، الفكري والفقهي، المتحرر من كل قوالب التنميط والأدلجة المهيمنة على السجالات السياسية والإعلامية، التي تضع حجابا يحول دون مقاربة سليمة لهذه القضية، الأمر الذي ينذر بإسقاطنا في عطالة فكرية تضيع معها فرصة اغتنام ما تتيحه اللحظة التاريخية من ممكنات اختراق عدد من “الطابوهات” و”المقدسات” التي لم يكن أحد يجرؤ على مجرد الاقتراب منها.

يقتضي الأمر إذن مقاربة الموضوع انطلاقا من “موقع محايد” لا يعادي أحدا ولا يسعى للانتصار لهذا الطرف على حساب الآخر، بل يسعى قدر المستطاع إلى توسيع دائرة النقاش لتنفتح على مجموعة من الآثار الفكرية والاجتهادات النظرية التي بقيت منذ مدة في عداد “التراث المهمش والمقصي”، الذي لم يكن أغلب الفاعلين في ساحة الحراك الوطني، سواء المقول عنهم “علمانيين” أو المقول عنهم “أصوليين”، يجرؤ على اقتراف “كبيرة” تقليب النظر في تواليفه.

 حاصل القول يعد كتاب “أشواق الحرية” خلاصة اطلاع واسع لنواف القديمي على غالبية الدراسات والكتب السلفية الناقدة للنظام الديمقراطي، التي وجدها تلتقي في مجموعة من العناصر، وهي أولا: الربط التلازمي بين مفهومي الديمقراطية والعلمانية، وهو الارتباط الذي رافع الكاتب من أجل فكه؛ وثانيا: استحضار النموذج التطبيقي التركي الأتاتوركي، قبل تجربة حزب العدالة والتنمية، وقد بين الكاتب بعد هذا النموذج على الديمقراطية الحقيقية؛ وثالثا: التوظيف السيء للانتقادات الغربية للنظام الديمقراطي، وتدبيج المدح للنظام الإسلامي دون بذل أي جهد في رسم ملامح لطبيعة هذا النظام. وتمارس من أجل إصلاحه وتطويره، لإثبات فشل هذا النظام؛ ورابعا: هكذا يعتقد القديمي أن الموقف الشرعي والعادل يفترض اختبار النظريات السياسية المتاحة، والاستفادة من البدائل المتوفرة، بدل البقاء في قفص الرفض السلفي لهذه المكتسبات الإنسانية، والإحالة إلى نموذج منتظر مأمول، “لا نملك حتى الخطوط العريضة له، ولا أحد يدري متى ستكون ساعة ولادته، أو إن كان ثمة شيء حقيقي وراء الأفق، أم أنه سراب بقيعة لن نجني معه سوى ممارسة حلم الانتظار الممتد دون حدود”.

وبذلك يكون هذا الكتاب قد شكل خطوة فكرية مهمة على طريق الإفلات من قبضة التشدد السلفي، لا في السعودية وحدها، ولكن من كل سلفية متشددة في الفكر والسياسة، في مشرق العالم الإسلامي ومغربه.

وهي خطوة تعززت بدراسات أخرى من بينها الدراسة الموسومة بـ “صحوة التوحيد-دراسة في أزمة الخطاب السياسي الإسلامي- لشاب سعودي آخر وهو د. محمد العبد الكريم، الذي عرف بنشاطه العلمي والفكري والسياسي والحقوقي، الأمر الذي جعله عرضة للمضايقة والابتلاء، حيث خبر محنة السجن، بسبب مقال نشره  في موقعه على الفيس بوك، يحمل عنوان، أزمة الصراع السياسي بين الأجنحة الحاكمة في السعودية، طرح فيه مجموعة من الأسئلة تتعلق بالمصير السياسي للشعب السعودي، وفي السبل الكفيلة بضمان وحدته واستقراره، وعلاقة كل ذلك بمصير أسرة آل سعود الحاكمة، داعيا كل مكونات الشعب السعودي إلى التفكير في خلق الفرص الضامنة لاستقراره ولاستمرار وحدته الوطنية، بمعزل عن متغيرات القوى الداخلية والخارجية.

هكذا يعتقد محمد عبد الكريم أن حماية المملكة تقتضي “حكما راشدا تتحقق فيه المساواة والمشاركة السياسية، وقسمة عادلة في الحقوق والواجبات ومسارعة في حفظ المال العام بدل نهبه وتبذيره. هذه ضمانات كافية لاستقرار الدولة والشعب. وطموحات متواضعة لشعب مل التملق ليتكسب به بعض حقوقه”.

وفي إطار هذا النقاش الفكري والسياسي الدائر ببلاد الحرمين، وفي مختلف ربوع الوطن العربي، صدر الكتاب الذي نحن بصدد دراسته وتحليليه.

صحوة التوحيد: دراسة في أزمة الخطاب السياسي الإسلامي

يشير مفهوم “صحوة التوحيد” عند محمد عبد الكريم إلى الحركة الفكرية التي قامت ضد الاستبداد والتغلب والوصاية على الناس. متوسلة في ذلك بأساليب مدنية سلمية، ترفض فرض الحق بالقوة والإكراه. وهو بذلك يحرر مفهوم التوحيد من المحاولات السلفية التي تختزله في ملاحقة البدع والخرافات، ويربطه بمهمة إقامة العدل بين الناس ومواجهة الطغيان.

وإذا كانت الأمة الإسلامية قد ركنت إلى حال من التسلط والفساد والاستبداد، فإن الكاتب يتساءل في دراسته عن الممكن الذي ينهي هذه الحال وينقل الأمة من وضعية التسلط والوصاية إلى وضعية التحرر والسيادة.

هل الحل هو اتباع خطوات أوروبا التي تحررت من سلطة القهر والاستبداد بالفصل التام بين الدين والدولة؟

 في إجابته عن هذا السؤال يستعين الكاتب بما تضمنه كتاب رفيق عبد السلام “حول الدين والديمقراطية والعلمانية”، المشار إليه أعلاه، من أفكار وتحليلات حول نشأة الدولة الأوربية الحديثة ومآلاتها المختلفة، ليخلص كما خلص رفيق، إلى  أن “الدولة الحديثة في نهاية المطاف كانت تسعى إلى دولة دهرية دنيوية، تتعارض مع وجود الدين في الفضاء العام، وتختلف صور المفاضلة والتمييز من دولة إلى أخرى”.

لقد واجه مفكرو عصر النهضة الأوربية دينا كنسيا يكرس التبعية والخضوع، والرضا بالحكم المستبد الظالم، أما الدين الإسلامي فهو دين رفع لواء التوحيد لتحرير البشر من كل مظاهر الاستعباد والقهر.

لكن، إذا كان الأمر كذلك فكيف نفسر جبروت الأنظمة الحاكمة، المتعاقبة على الحكم في مختلف بقاع الإسلام وعبر تاريخه الممتد والطويل؟

من أجل مقاربة هذا السؤال يرصد الكاتب ما عده بداية التحول لدى المسلمين عن القيم الكبرى للتوحيد، وعن ولاية الأمة وعقد الشورى في حقبة الخلفاء الأربعة إلى سلطة الاستبداد ابتداء من العهد الأموي وفي هذا الإطار نجد تأثيرا واضحا للدراسات التي قام بها المفكرون المغربيون علي أومليل وعبد المجيد الصغير حول علاقة السلطة السياسيية بالسلطة العلمية، ودور الصراع حول السلطة في الإسلام الذي انتهى إلى تبعية الديني للسياسي مع الأدبيات السلطانية، ذات الأصول الساسانية الاستبدادية، التي أصبحت المرجعية الإيديولوجية للسلطة في ظل “الفقر الفقهي في العلوم السياسية عند المسلمين”.

وإذا كانت كل الحركات الإسلامية تعبر بشكل صريح عن حنينها لنموذج “الخلافة الراشدة” متخذة منه نموذجا للنظام السياسي الذي تطمح إلى إقامته اليوم، فإن الكاتب قد بذل مجهودا فكريا مشهودا في دراسة مواقف مختلف تياراتها المعاصرة من مسألة الإصلاح السياسي.

ينطلق الباحث من القول أن أسئلة الربيع العربي الحارقة قد صدعت القناعات الفكرية والشرعية للجماعات الإسلامية، التي تعتقد كل واحدة منها أنها هي الفرقة الناجية، واعتبار كل ما عداها  من الجماعات”الخارجة عن منهج السلف” في النار.

وبصرف النظر عما في هذا الموقف من مبالغة في التوصيف وتعميم في الحكم على مواقف الحركات الإسلامية بعضها من بعض، أو في موقفها من الآخر المختلف فكريا وسياسيا، فإن الكاتب قد التزم في عرضه وتحليله لعدد من التجارب الإسلامية قدرا معقولا من العلمية والموضوعية.

يرصد الكاتب مواقف التيارات السلفية المختلفة، ويوزعها إلى عدة مدارس، وهي المدرسة الألبانية، والمدرسة الخلوفية، والمدرسة السلفية الجهادية، والمدرسة السرورية.

فأما المدرسة الألبانية فقد عملت تحت شعار “من السياسة ترك السياسة”، مختزلة مفهوم التوحيد في محاربة البدع، وتنقية العقيدة من الشعوذة والخرافات، سيرا على طريقة السلف الصالح حتى تقوم الدولة الإسلامية.

وفي هذا الإطار يشدد الألباني على تجنب كل الوسائل الديمقراطية المستحدثة، في الدعوة والتبليغ للمشروع الإسلامي؛ فالديمقراطية نظام طاغوت ومناقضة للإسلام، والانتخابات محرمة والمجالس النيابية مستنكرة، من صنع اليهود والنصارى.

وهنا يسجل محمد عبد الكريم أن العودة إلى الكتاب والسنة، عند السلفية الألبانية، ” لا تشمل محاربة المظالم والمنكرات السياسية، بل تقتصر على ملاحقة بدع الأشاعرة والماتردية والمعتزلة وأهل الرأي، فهي الأخطر”، لذلك لا يستغرب حرص هذا الفصيل السلفي على حسن العلاقة مع السلطة وعدم التصادم معها.

وقد فاقت السلفية الخلوفية نظيرتها الألبانبة في حسن العلاقة مع الأنظمة الحاكمة حيث “استطاعت أن تؤسس فقها سلطانيا فاق كل الفقه السلطاني الذي سبق ظهوره” ، من خلال إكثارها الحديث عن طاعة ولي الأمر، والمغالاة في تعظيم الحاكم، وتبديع كل من خالفه ولو بالرأي والكلمة، بالإضافة إلى تحريم تشكيل الأحزاب والهيئات السياسية.

على خلاف ذلك تنطلق “السلفية الجهادية” من رؤية تؤمن بضرورة فرض الشريعة بالقوة والسلاح والحرب على كل ما تعتقد أنه كفر: الدولة والمجتمع. حيث لا يجد الباحث فرقا بين هذه الجماعات التي تفرض الدين فرضا وقسرا، وبين “العصابات الأخرى التي تسلطت واغتصبت الحكم وفرضت سلطانها بالقوة والجبروت، ومن ثم تفرض الإتاوات على من لم يدخل في طاعتها”.

أما فيما يخص “السلفية السرورية” فيرى الكاتب أنها تصطف في وقت الأزمات وتصاعد المطالب الإصلاحية إلى جانب التيار الديني الرسمي، وتحدث رؤية جديدة في طاعة ولي الأمر لا تختلف عن المدارس السلفية التقليدية.

هكذا يصل الكاتب إلى النتيجة التالية، وهي أنه، مهما اشتدت الخلافات والتناقضات بين التيارات السلفية السابقة الذكر فإن ما يجمع بينها هو كفرها بالفكرة الديمقراطية، وتكريسها للاستبداد السياسي للسلطة الحاكمة.

أما بخصوص المدارس الإصلاحية الأخرى فيسجل على كل من جماعة الدعوة والتبليغ ومدرسة محمد عبده تركيزهما على الجانب التربوي وإهمالهما لدور العامل السياسي في عملية الإصلاح المجتمعي، عادًّا ذلك عيبا منهجيا تسبب في انحسار مشروعهما الإصلاحي. ثم ينتقل، بعد ذلك، لاستعراض تجارب حركية إسلامية راهنة في كل من مصر والمغرب والسعودية والكويت، يرى أنها أسهمت “في الإصلاح السياسي بأدوار مختلفة، فعنايتها بالمفاهيم التي تؤسس لإصلاح مؤسسة الحكم وإقامة الحكم الراشد تعد من أولوياتها على اختلاف طرقه في الإصلاح، إلا أن هناك تقاربا في أصوله النظرية حول مفاهيم الإصلاح وإعادة الشأن للأمة وولايتها، وترسيخ مفهوم الشورى بصفته مبدأً للتعاقد، والنضال لإقامة العدل الإلهي”.

هكذا يرى الكاتب ضرورة مراجعة هذه التجارب وغيرها من التجارب الإسلامية المعاصرة لخطابها بما يجدده ويجعله أكثر قدرة وفاعلية في زمننا السياسي المعاصر، بما يحقق العدل الإلهي في الأرض.

وإذا كان هذا التجديد قد قام في أوروبا انطلاقا من مبادئ العقل الكلية، فإنه ينبغي أن يقوم في  صحوة التوحيد  الإسلامي على الكليات الأساسية في العقيدة والأخلاق، التي يعتمد الكاتب في تعريفها على الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني، باعتبارها “المعاني والمبادئ والقواعد العامة المجردة التي تشكل أساسا لما ينبثق عنها ويبنى عليها من تشريعات تفصيلية وتكاليف عملية ومن أحكام وضوابط تطبيقية”؛ ويعد العدل في مقدمة هذه المقاصد التوحيدية، وهو عدل يجزم محمد عبد الكريم، في خاتمة كتابه، أنه لن تقوم له قائمة إلا بولاية الأمة على نفسها، مشددا على رفض كل وصاية على حقها في الاختيار وحريتها في القرار، حتى ولو تم ذلك باسم الدين، أو باسم المستبد العادل، أو غيرها من المبررات التي تلجأ إليها قوى الظلم والاستبداد لتبرير سلطتها ونفوذها.

يتضح مما تقدم أن كتاب صحوة التوحيد يشكل هو الآخر محاولة شبابية عربية تقرأ مفاهيم التوحيد والعدل والشورى وغيرها من المفاهيم الدينية، قراءة شرعية عقلانية، متحررة عن الأطر التقليدية للتيارات السلفية، المتشددة والمحافظة، ومبنية على أساس حق الأمة كلها في تقرير مصيرها، وتدبير خيراتها وثرواتها، ومشروعية ثورتها على الحكام الظلمة.

ولعل كتاب “سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة – نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام، عبد الله المالكي-“، الذي ألفه شاب سعودي ثالث، وهو عبد الله المالكي، يفتح أمام هذا التوجه الفكري آفاقا أكثر رحابة وسعة.

سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة

تتلخص فكرة الكتاب المحورية، كما هو واضح من عنوانه، في القول أن سيادة الأمة سابقة على تطبيق الشريعة الإسلامية، ما دامت هذه الأمة هي التي تتحمل مسؤولية تطبيق الشريعة، بإرادتها الحرة، من خلال تحويلها إلى قوانين دستورية سيادية تطبيقية، وذلك عبر مسار سلمي مدني وحضاري؛ أي أن تطبيق الشريعة ينبغي أن يمر بمسار سلمي، مدني وحضاري، يُحتكَم فيه إلى الآليات الديمقراطية.

وإذا كان الربيع العربي يضع على الحركات الإسلامية مسؤولية عظيمة، وهي مسؤولية الحكم والسلطة، فإن عبدالله المالكي، يرى أنه يتعين على هذه الحركات أن تطرح على نفسها السؤال التالي: ما الذي أرادته الشعوب من خلال إسقاطها للطغاة؟

لا يتردد الكاتب في الإجابة القائلة “بأن الشعوب العربية الثائرة لم تخرج إلا لأجل تحقيق (الحرية والكرامة والعدالة)، فواقع الثورات ومشاهدها المتنوعة والمتكررة، والاستماع إلى شعاراتها ومطالبها، تؤكد هذا الدافع بصورة واضحة وجلية..”.

لقد خرجت الجماهير إلى الساحات والميادين من أجل استرجاع سيادة الأمة المغتصبة، من طرف الأنظمة المستبدة والمتسلطة، “خرجت لكي تكون لها الشرعية السياسية، ولكي تكون مصدرا لها، ولكي تنتخب حكوماتها، وتراقبها وتحاسبها من دون قمع أو خوف أو إرهاب”.

إن الشعوب العربية لم تثر من أجل تطبيق الشريعة، بالمعنى الضيق الذي تفهمه بعض التيارات المحافظة، حيث لا يحق لأي كان أن يفرض ذلك على الأمة من دون إرادتها الحرة، ما دامت الدول التي تدعي تطبيق الشريعة ليست في مأمن من هذه الاحتجاجات والانتفاضات.

من هنا دافع الكاتب على أطروحته القائلة بضرورة العمل والنضال من أجل سيادة الأمة أولا، من دون أن يعني ذلك أنه يقف في المعسكر الرافض رفضا مطلقا لتطبيق الشريعة، ولكنه يريد أن يتم ذلك باختيار الأمة وليس بالإكراه والفرض.

إن الكاتب يسلم، كغيره من الكتاب الإسلاميين، بالمرجعية العليا للشريعة الإسلامية، ولكنه ينهل من الفكر الإسلامي المغاربي، خاصة عند أحمد الريسوني وراشد الغنوشي، الذي له قراءته الخاصة لمفهوم تطبيق الشريعة، قراءة رمت إلى تصحيح هذا المفهوم من التشوهات التي لحقته عند الإسلاميين والعلمانيين على السواء.

هكذا نجد الكاتب يسلّم مع أحمد الريسوني الذي ذهب إلى القول بأن مفهوم “تطبيق الشريعة” يحيل إلى شعار تاريخي أنتجته ظروف سياسية معينة خلال منتصف القرن العشرين، مما يجعل المراجعة الفكرية لهذا المفهوم تعد واجب الوقت، “وفق مقاصد الوحي والأصول والكليات الشرعية الكبرى، خصوصا مع التطور الجذري والعميق لمفهوم الدولة الحديثة، وتشكل مفاهيم المجتمع المدني الحر، وواقع النظام العالمي، وطبيعة القانون الدولي، والتحولات التاريخية التي تمر بها المنطقة، ونحو ذلك من التحديات التي توجب إعادة صياغة هذا المفهوم، لكي يستجيب للواقع الجديد، ويجيب عن التساؤلات الراهنة، ويستوعب التحولات الكونية التاريخية”.

لا شك أن عين الباحث في الشأن الإسلامي، لن تخطئ رؤية التأثير المزدوج للأطروحات السياسية للمفكر التونسي راشد الغنوشي، خاصة تلك التي تضمنها كتابه المتميز، “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” من جهة أولى، وللأطروحات الفقهية المقاصدية للفقيه المقاصدي المغربي أحمد الريسوني، والمبثوثة بين ثنايا عدد من أبحاثه ودراساته.

انطلاقا من هذا التأثير المغربي الواضح يرفض المالكي، كما رفض ذلك كل من نواف القديمي ومحمد عبد الكريم، اختزال تطبيق الشريعة في العقوبات والحدود، ويطرح سؤالا حول أي الدولتين أقرب إلى روح الشريعة ومقاصدها، هل هي الدولة التي لم تطبق من الشريعة سوى الحدود وفرض الحجاب، وفي المقابل تمارس صنوف الظلم والفساد والتخلف والجهل والاستبداد، التي بسببها أهدرت وانتهكت قيم الشريعة الكبرى ومحكماتها ومقاصدها، أم أنها الدولة التي طبقت جميع أو غالب القيم والمقاصد الشرعية سوى أنها لم تطبق الحدود ولم تفرض الحجاب؟”.

لاشك أن الكاتب ليس في حاجة التصريح بإجابته ما دام قد ضمنها بذكاء وهدوء عقلاني، في الكيفية التي صاغ بها سؤاله المذكور؛ ولكنه، وبما أنه بصدد محاورة نقدية للأطروحات السلفية في عقر دارها، فإن الكاتب استعان ببعض النصوص الطويلة لابن تيمية وابن القيم الجوزية، التي تؤكد كلها أفضلية الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة.

إن رجوع الكاتب إلى ابن تيمية وابن القيم الجوزية، اللذين تدعي التيارات السلفية المتشددة،  اتخاذهما مرجعية علمية لها، يعد عملا مهما يستحق كل الثناء والتقدير. فنحن في أمس الحاجة اليوم إلى تحرير هذين العلمين من قبضة القراءات السلفية المتعسفة.

إن قيمة العدل التي بموجبها قد تكون الأفضلية للدولة الكافرة على الدولة المسلمة الظالمة، يعدها الباحث لب مقاصد الشريعة الإسلامية، التي يعد إهدارها إهدارا لأعظم باب في تطبيق الشريعة، كما رأينا ذلك سابقا عند نواف القديمي ومحمد عبد الكريم.

فعند هؤلاء الشباب الثلاثة أن العدل الحقيقي هو العدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في حين تتمثل قمته في تحرر الأمة من مختلف قوى الفساد والاستبداد ويقتضي صيانة الحقوق وفي مقدمتها حق الأمة في السيادة على نفسها.

إن الأمة هي الأصل، ومن ثمة تعد أولوية على مصيرها على مسألة تطبيق الشريعة. وهنا يطرح نفس السؤال، الذي طرحه كل من العبد الكريم والقديمي سابقا، وهو: ماذا لو رفضت الأمة شعار تطبيق الشريعة؟

ينطلق المالكي، مثله مثل جل الكتاب الإسلاميين، من مسلمة رئيسة، وهي أن الأمة المسلمة لا يمكن أن ترفض الشريعة من حيث المبدأ ولكنها قد ترفض الكيفية التي قد يُطبَّق بها ذلك أوقد ترفض حزبا إسلاميا يتبنى فهما معينا لتطبيق الشريعة، ولكنها لا ترفض الشريعة في حد ذاتها.

ومن دون الالتفات إلى ما تتضمنه هذه المسلمة من نزعة وثوقية شديدة الإفراط والمبالغة، فإنه تجدر الدراسة إلى أن هذه الدراسات تشكل محاولات مهمة على طريق تبيئة القيم الحداثية والديمقراطية، في بيئات تقليدية محافظة، تحتاج إلى مجهودات جبارة لتحريرها من قبضة المفاهيم السلفية المتشددة.

وإذا كانت عدد من الأصوات قد ارتفعت في المغرب العربي داعية إلى مواجهة فكرية وفقهية لغزوات التيارات السلفية المشرقية، وفي مقدمتها السلفية الوهابية، فإن الملاحظ من خلال البحث في الخلفيات الفكرية للكتب الثلاثة، موضوع هذه الدراسة، سيجد أنها تنهل من مرجعية فكرية وفقهيه، تبوأ فيها رواد الفكر المغربي المعاصر، “الإسلامي” و “العروبي”، مكانة مرموقة، كما أُشير إلى ذلك في أكثر من موضع في هذا البحث. فهل يتعلق الأمر بتأثير رياح الربيع العربي التي امتدت من تونس تحديدا، أم بتفاعل فكري عادي وطبيعي في عصر هيمنة تقنيات التواصل الفائقة السرعة والذكاء؟

نقلاً عن موقع المركز العربي للدراسات والأبحاث

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

رد واحد إلى “محاولات التأصيل للديمقراطيّة في بيئة سلفيّة”

  1. الديمقراطية إن كانت تعني حكم الشعب والإختيار للشعب إن شاء حكم القوانين وإن شاء حكم الشريعة، فهي كفر أكبر مخرج من الملة.
    ولايجوز الكفر للضرورة أو المصلحة.
    ومن أعتقد جوازها فقد كفر ولو لم يطبقها لأنها منافية للكفر بالطاغوت، وكما قال ابن القيم طاغوت كل قومٍ هو ماتحوكم إليه من دون الله، أما مسألة أن الديمقراطية هي السبيل الوحيد المتاح فهذا غير صحيح، وإلا لم شرع الجهاد؟

دع ردأً

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق