لماذا اُعتقِل فريق “ملعوب علينا”؟

الكاتب:

5 نوفمبر, 2011 لاتوجد تعليقات

بعد اعتقال أعضاء قناة “ملعوب علينا” اليوتيوبية بيومين كتبت هذه التغريدة بتويتر “سجن فراس / حسام / خالد ليس غريب، الغريب أن يظل أحد يعتقد – حتى بعد سجنهم – أن أسباب الفقر في السعودية اجتماعية / اقتصادية و ليست سياسية”، فسألتني مغردة: كيف أسباب سياسية؟ وقتها لم أجب على سؤالها لأن الجواب يحتاج لشرح مفصل تعجز عنه المائة و أربعون حرفا، لذلك قررت – بعد تفرغي – أن أكتب هذا المقال.

ما معنى أن تكون أسباب الفقر بالسعودية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية؟

الأسباب السياسية: يعني أن السياسات الحكومية للبلد هي السبب المباشر أو غير المباشر في فقر المواطنين.

الأسباب الاقتصادية: يعني أن ضعف اقتصاد البلد أدى إلى ضعف دخل الفرد وعجزه عن الحصول على احتياجاته حتى لو بذل قصارى جهده.

الأسباب الاجتماعية: يعني أن اقتصاد البلد قوي وسياسة الدولة تتيح لأفراد المجتمع الفرص الوظيفية والتجارية والاستثمارية لكنهم يتعففون عنها.

لماذا أسباب الفقر بالسعودية سياسية و ليست اقتصادية أو اجتماعية؟

أولا: أبسط دليل على ذلك اعتقالهم، هل تذكرون ما حصل قبل عدة أشهر مع منال الشريف وقضية قيادة المرأة للسيارة؟

كانت الدولة تدّعي على مدى عقدين أن أسباب تعطيل قرار قيادة المرأة اجتماعية بحتة، فمتى ما تقبل المجتمع فكرة أن تقود المرأة السيارة فإن السلطة السياسية لن تعيق هذا الملف، لكن عندما قادت منال سيارتها وصورت نفسها ورفعت الفيديو على شبكة اليوتيوب ليراه مئات الآلاف، و أثبتت أن أهلها والكثير من شرائح المجتمع تقبلوا الأمر؛ تبيّن أن التعطيل ليس اجتماعيا بل سياسيا، عندها أحرجت السلطة فاعتقلت منال.

و هذا ما حصل تماما مع (حسام الدريويش، خالد الرشيد وفراس بقنه) أعضاء قناة “ملعوب علينا”، فعندما سلطوا الضوء على مشكلة (الفقر) أُحرجت السلطة – “داخليا” أمام شريحة كبيرة من المجتمع كانت تثق بها وبقراراتها خصوصا بعد مزاعم الإصلاح التي أطلقت خلال السنوات الماضية، و “خارجيا” أمام كل دول العالم – بسبب سياساتها؛ فاعتقلتهم، لو كانت أسباب الفقر اجتماعية أو اقتصادية – كما هو الحال مع الكثير من المشاكل والقضايا الشائكة –  أو لو أنهم تناولوا الموضوع بشكل تقليدي “لا يلفت نظراً و لا يحرك ساكناً” ككتابة مقال نقدي في إحدى الصحف – مثلما تعود كل كتّاب الرأي أن يفعلوا – لما اعتقلوا لأن السلطة السياسية لن تكون محرجة إلى هذا الحد فهي لا ترى نفسها مسؤولة عن المشكلة و حلها.

ثانيا: لنحلل كل ناحية على حدة لنعرف أيها السبب الرئيس للفقر في السعودية:

من الناحية الاقتصادية؛ لا يختلف اثنان على أن السعودية تتربع على عرش أقوى الاقتصاديات في العالم حيث بلغت إيراداتها لعام 2010 م سبعمائة وخمسة وثلاثين (735) مليار ريال وسجلت فائض في الميزانية يفوق مائة وثمانية (108) مليارات، وفي العام الحالي 2011 م وصلت عائداتها النفطية إلى ستمائة وسبعة وثمانين (687) مليار ريال في الثمانية أشهر الأولى فقط، لذلك فإننا نستنتج أن الفقر في السعودية لا يمكن أن تكون أسبابه الرئيسة اقتصادية.

من الناحية الاجتماعية؛ الكل يعلم أن أكثر من مليوني مواطن ومواطنة سجلوا في نظام “حافز” الذي أطلقته وزارة العمل لحصر العاطلين ودعمهم لتعزيز فرصهم في الحصول على وظائف، ولا يخفى على أحد أنه بمجرد الإعلان عن شواغر وظيفية في أي قطاع (حكومي / أهلي – مدني / عسكري) فإن الشباب – بكل مستوياتهم التعليمية – ينهالون عليها بالآلاف، كما أن هناك إقبال شبابي كبير على البرامج والصناديق الحكومية الأهلية المخصصة لدعم المشاريع التجارية والاستثمارية الصغيرة، لدرجة أنها لا تستوعب الكم الهائل من الطلبات خصوصا أن عددها لا يتجاوز عشر (10) صناديق على مستوى المملكة، كل هذا يعكس حرص المواطن السعودي على الحصول على مصدر دخل يوفر له و لعائلته حياة كريمة، وأما الإنفاق فالمواطن السعودي حريص أيضا على ألا يتجاوز عدد أفراد أسرته المعدل الطبيعي الذي لا يستطيع معه تلبية احتياجاتهم اليومية؛ فحسب التعداد السكاني لعام 2010م فإن متوسط عدد أفراد الأسرة السعودية لا يتجاوز الستة (6)  وهذا الرقم يعد طبيعيا ومنطقيا جدا في أغلب الدول والمجتمعات، بناء على ما ذكر يتبين لنا أن العوامل الاجتماعية ليست سببا رئيسا للفقر في السعودية.

من الناحية السياسية؛ أخطر العوامل المسببة للفقر هو غياب المشاركة السياسية الذي ينتج أرضا خصبة تزرع فيها كل عوامل الفقر الأخرى التي بدورها تؤثر سلبا على النواحي الاقتصادية والاجتماعية. تغييب المواطنين عن المشاركة السياسية يعني استفراد الحكومة باتخاذ القرارات التنموية التي غالبا ما تصب بشكل مباشر أو غير مباشر في مصلحة بعض الأشخاص النافذين في الدولة بغض النظر عما تفرزه من تأثيرات قد تضر بمصلحة المواطن، فعلا سبيل المثال؛ لا يملك أي مواطن عادي من سكان مدينة جدة أن يشارك في أية قرارات تختص بالإيرادات التي تدخل خزينة الدولة من مواسم الحج بحيث تكون لها انعكاسات تنموية حقيقية على عروسته التي اغتالتها أيدي اللصوص قبل السيول، مع أنه ساهم – بشكل أو بآخر – في تدفق تلك الإيرادات و تحطيمها أرقاما قياسية تصل لأكثر من ثلاثين (30) مليار ريال سنويا.

العدالة في توزيع الثروة جعلت الدول الاسكندينافية بشكل عام والنرويج على وجه الخصوص من أكثر دول العالم تقدما في التنمية البشرية (مقياس التعليم و مستوى المعيشة والرعاية الاجتماعية) و في المقابل فإن سوء توزيع الثروات جعل دول الخليج وخاصة السعودية متخلفة نسبيًا في التنمية البشرية وهو ما يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر لأنه – مع الوقت – يقضي على الطبقات المتوسطة في المجتمع ليقسمه إلى طبقتين؛ أقلية تترف في نعيم الثراء والرفاهية وأكثرية تقبع في جحيم البؤس والفقر.

الفساد هو الأخطبوط الذي طالت أطرافه كل الوزارات و الإدارات و المؤسسات الحكومية بعد أن غابت الشفافية (وهي مسؤولية السلطة السياسية)، ففي القضاء فساد وتبعية وصلت مرحلة جعلت المواطن يتيقن أن المحاكم في السعودية ما هي إلا مهازل، وإلا ما التفسير المنطقي لمحاكمة بعض خيرة أبناء هذا الوطن بعد سجن دام لسنوات طويلة محاكمات سرية توجه لهم فيها اتهامات لا تستند إلى أدلة ويمنع محاميهم من الدفاع عنهم؟

أما قطاع الصحة فنرى فيه من الفساد ما يندى له الجبين، ومن أشهر مظاهره الأخطاء الطبية والتأخر في توظيف الكوادر الوطنية الشابة وهذه المشكلة ذات أضرار مزدوجة؛ زيادة نسبة البطالة وتأخير علاج المرضى، هذا غير استنزاف المستشفيات الأهلية جيب المريض بلا حسيب أو رقيب. وفي قطاع التعليم فساد مستشرٍ يتجلى في المدارس المستأجرة والمناهج المقررة فلا المدارس تغيرت لنموذجية ولا المناهج تبدلت برقمية. والحديث عن الفساد يطول لكننا نكتفي بما ذكرنا عن القضاء والصحة والتعليم لأنها من أكثر القطاعات التي تمس حياة المواطن يوميا وتتسبب في فقره على المدى القريب والبعيد.

ارتفاع أسعار العقار بات “من الواضح” أنه يؤثر بشكل مباشر وكبير على دخل المواطن، و “من الأوضح” أن حل هذه المعضلة (المتمثل بفرض رسوم على الأراضي البيضاء) بيد السلطة السياسية وهذا لا يحتاج إلى نقاش خصوصا بعد حملة الوعي المكثفة التي انتشرت مؤخرا.

أما حريات المواطنين فهي إحدى السبل لحماية أنفسهم من الفقر، وأرى أنها ذات علاقة عكسية مع حرية الحكومة؛ متى ما زادت هذه نقصت تلك و العكس صحيح، و السلطة تدرك هذا المعنى لذلك فهي تحاول السيطرة على أكبر مساحة من الحرية – ليمارس النافذون فيها ما يحلو لهم – عن طريق التضييق على حريات المواطنين؛ و هذا ما حصل مع أعضاء قناة “ملعوب علينا”.

خاص بموقع “المقال” 

التعليقات

التعليقات

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لا توجد تعليقات... دع تعليقك