قانون الإرهاب الجديد: قوننة القمع

الكاتب:

30 ديسمبر, 2013 لاتوجد تعليقات

بات البطش بالنشطاء الحقوقيين والسياسيين يحصل دون ما رحمة. لم تعد السلطة قادرة على تحمل هامش الحرية والحركة الضئيلة جداً للنشاط المدني والحقوقي في المملكة، والتي تصاعدت بشكل ملحوظ في العامين المنصرمين، ولم تعد للقوة الناعمة من مكان في سياستها الداخلية. هذه إذن الرسالة المختصرة لقانون الإرهاب الجديد، ولسلسلة الاعتقالات والمحاكمات العلنية والسرية التي طالت وتطال مجموعة واسعة من النشطاء الحقوقيين والسياسيين في المملكة.

إصدار قانون جديد يسمى ب “النظام الجزائي لجرائم الإرهاب وتمويله” يهدف لتقليم أظافر “الإرهابيين” ومن يدعمهم فكرياً ومادياً. هذا في الشكل، أمّا في المضمون؛ فالنظام الجديد يُخفي نصوصاً ملغومةً تسمح للسلطة بقمع المعارضين السلميين و باعتقال من تشاء وقت ما تشاء دون الاضطرار لتقديم تبرير أو أدلة جنائية، حيث أنّ النظام الجديد يحتوي على عبارات فضفاضة كـ”المساس بالوحدة الوطنية” و “مناوئة التوجهات السياسية للمملكة” أو “المساس بالثوابت الشرعية” وغيرها من المواد التي تضعُ سياجاً منيعاً أمام نقد السلطة وسياساتها، كما تتيح لها قمع الاحتجاجات السلمية – المندلعة في المملكة منذ أكثر من عامين – رغم محدوديتها ، وإيداع النشطاء السجون لمددّ تتراوح بين الخمس والعشر سنوات من دون محاكمة وفقاً للقانون الجديد.

يُلاحظ كل من يُتابع سياسة المملكة من الداخل تبدلاً مُثيراً في سياسة التعاطي مع الجماعات المدنية الناشطة في الحقلين الحقوقي والسياسي عن ما كانت عليه قبل انتفاضات “الربيع العربي”؛ تمثّلت في استخدام القوة (العارية) الخشنة في وجه القوى المدنية “الجنينية” والتي لا تشكل مزاحمة لها على السلطة، فضلاً عن كونها لا تمثل تهديداً صريحاً لوجودها بأيّ شكل من الأشكال، إن من خلال اطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين في المنطقة الشرقية، أو من خلال قمع حراك أهالي المعتقلين في مدينة بريدة، أو بالتضييق على حملة قيادة المرأة للسيارة، أو بملاحقة أعضاء جمعية حسم الحقوقية وتقديمهم للمحاكمة واحداً تلو الآخر كما حدث مع عبدالله الحامد ومحمد القحطاني. باختصار، نفذ صبرُ السلطة على النشاط المدني قبل أن يبدأ.

ثمة عدة مسببات يهبنا إيّاها هذا السلوك الجديد تقف خلف المتغيرات الأساسية في السياسية الداخلية للسعودية هي كالتالي:أولاً، تزايد المخاوف من فقدان القدرة على احتواء الحراك المطلبي في المملكة وخروجه عن السيطرة، أو إمكانية تمدده واستقطابه لشرائح شبابية جديدة، إذا ما تُرك دونما رادع كاف يحول دون تحوّل السخط الشعبي المتنامي على أداء الجهاز البيروقراطي لتمرد جماهيري.

 ثانياً: تصدَّع الأدوات الأيديولوجيّة القديمة للحكم، وعلى رأسها الأيديولوجيا الدينية التي تتصدى المؤسسة الدينية الرسمية للدفاع عنها، متمثله في المفتي العام للمملكة وهيئة كبار العلماء من خلال حراسة فلسفة (طاعة ولي الأمر)، طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه أو نقده في العلن، وهي فلسفة تآكلت في السنوات الأخيرة لكثرة استهلاكها بمناسبة أوغير مناسبة، ولإنشقاق سلفيات (السرورية والإخوان) تُنافسها على حيازة رأس المال الديني نفسه وتملك مصداقية اجتماعية أكبر.

 ثالثاً: التطورات الإقليمية وما نتج عنها من عدم الثقة في الحلفاء الغربيين بضمان حماية الدولة في حال حصول تطورات داخلية أو خارجية تهددها على غرار ما حدث مع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، خصوصاً بعد التقارب الغربي من جهة وبين الخصم اللدود للسعودية في الإقليم (إيران) من جهة أخرى. أصبح واضحاً للجميع سياسة ” الأكل باليد” التي باتت تتبعها المملكة في سياستها الخارجية من البحرين إلى سورية.

لا شك بأن الإخفاق الخارجي قد انعكس بشكل سلبي على السياسة الداخلية للحكومة على شكل مزيد من التصلب تجاه المطالب الإصلاحية في المملكة ومزيد من التضييق على النشاط المدني، وقانون الإرهاب الجديد عبارة عن قوننة لقمع النشطاء الحقوقيين والسياسيين تجلياً لتلك الإخفاقات وتحسباً لمستقبل غامض.

داخلياً لا شيء كبير يُقلق النظام، بل يبدو في كثير من الأحيان تصرف السلطة وردة فعلها تجاه الأنشطة الحقوقية والمدنية قاسية ومبالغ بها وغير مفهومة لكثيرين، لكن العارفين بما يدور في عقلية المسؤولين الرئيسيين يقدَّرون حساسية المرحلة الانتقالية التي تمر بها الدولة، فهو لن يسمح أثناءها بتحصيل مكاسب حقيقية من خلال ضغط الشارع مهما كان حجمها، هذه عقيدة سياسية ثابتة لا يمكن أن يُفرط بها و ها هو قد أردفها بقانون يعززها.

خاص بموقع “المقال”

التعليقات

التعليقات

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لا يوجد مقالات ذات صلة

لا توجد تعليقات... دع تعليقك