تعطيل مؤسسات المجتمع المدني في السعودية

الكاتب:

23 مارس, 2013 لاتوجد تعليقات

يمكن تعريف المجتمع المدني بشكل بسيط على أنه القطاع الثالث من المجتمع إذا ما عددنا أن القطاع الأول والثاني هما الحكومي والخاص، وهذا القطاع الثالث هو المعبر عن مطالب الفئات الأوسع من المجتمع ومصالحها. وجود المجتمع المدني ليس أمرًا اختياريًّا فهو ينشأ في أي مجتمع؛ لأن طبيعة المجتمعات البشرية تقتضي ذلك، ولكن وجود مؤسسات مجتمع مدني لها وجود واقعي وقانوني هو المحك الحقيقي. في الدول التسلطية تتكرر ظاهرة قمع هذه المؤسسات بسبل مختلفة، منها مثلا التضييق عليها في الحصول على التراخيص، المنع من النشر، الإغلاق، الاعتقال، المنع من السفر، التجسس، الاختراق، التهديد… إلخ. وفي دول مجلس التعاون الخليجي تبرز مشكلة واضحة وقديمة للعراقيل التي تضعها السلطات أمام مؤسسات المجتمع المدني، وسأركز هنا على مشكلة مؤسسات المجتمع المدني في السعودية وانعكاساتها.

سأبدأ بالحديث عن مجلس الشورى السعودي. فبينما يحتفل البعض بتعيين مجلس الشورى الجديد وانضمام المرأة له عضوا أول مرة، علينا أن نتذكر أنه مجلس بلا صلاحيات. ومسألة مؤسسات المجتمع المدني خير دليل على أنه غير فعال، حيث إن مجلس الشورى تلقى قانونًا مقترحًا من الحكومة حول مؤسسات المجتمع المدني اسمه ” نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية” فقام بإجراء المناقشات والتعديلات عليه ثم أقره بشكل نهائي في أول يناير 2008، أي قبل خمس سنوات. منذ ذلك الحين وهذا النظام لم يُقَرّ لأنه ينتظر التوقيع النهائي عليه من مجلس الوزراء! خمس سنوات كاملة في انتظار مجرد توقيع، ولا نعرف كم سنة أخرى سننتظر كي يُقَر فعلا هذا النظام (إذا كان سيُقر يومًا ما). لو كان هذا المجلس له صلاحيات لكان هذا النظام قد أصبح ساريا في نفس السنة وربما في نفس الشهر، ولكن بما أنه ليس ذا وزن حقيقي في صنع القرار ويمكن إهمال رأيه – دون أي تبعات – وجدنا أنفسنا معلقين في انتظار توقيع.
أقول هذا عن نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية وأنا من المتحفظين جدا عليه بسبب العيوب التي اعترته، ومنها مثلا أنه كرس الشكل الخيري والاجتماعي لمؤسسات المجتمع المدني بدل أن يفتح الباب للعمل المدني الحر في كافة المجالات، وذلك لأن النظام ينص على أن هذه المؤسسات تعمل من “أجل تحقيق غرض من أغراض البر، أو التكافل، أو نشاط ديني أو اجتماعي أو ثقافي أو صحي أو تربوي أو تعليمي أو مهني أو إبداعي أو تقديم خدمات إنسانية” فيما يبدو أنه استثناء مقصود لبعض لنشاطات كتلك المتعلقة بحقوق الإنسان والشؤون الطلابية والعمالية والسياسية، ويبدو أيضا أنه استثناء غير مقصود لنشاطات أخرى كالنشاطات المتعلقة بالبيئة والآثار والسلامة. ومن التحفظات الأخرى أنه يتضمن إنشاء “الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الأهلية” وتتضمن الهيئة مجلسًا يعد “السلطة العليا في الهيئة لتنظيم العمل الأهلي ومراقبته” ومن شروط هذا المجلس أن يتضمن ممثل عن وزارة الداخلية (!) وممثل عن وزارة التجارة (وهو أمر غريب خصوصًا أن مؤسسات المجتمع المدني يجب أن تستقل عن قطاع التجار). ولكن حتى هذا القانون بقصوره وتقييده للمجتمع المدني لم نحصل عليه حتى الآن وذلك دون وجود أي سبب لكل هذه السنوات من التعطيل.

وما نزال في هذه الدوامة، وما تزال مؤسسات المجتمع المدني في السعودية غير قادرة على العمل الحر وفي كثير من الأحيان تتعرض للمضايقة أو تضطر للعمل تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية (إذا سمحت لهم بذلك) أو تحت جهات أخرى، وهذا أيضاً لا يوفر لهم الحماية الحقيقة للعمل الحر بل قد تستمر المضايقات حتى بعد التراخيص من هذه الجهة أو تلك، والأمثلة كثيرة ومنها ما هو معروف ومعلن مثل الإلغاء المفاجئ والمبهم لمؤتمر تحديد التخصص في إبريل 2012 قبل ساعات قليلة من ميعاد عقده في جدة وذلك بالرغم من حصول المؤتمر على التصاريح اللازمة. (فريق العمل أصدر بيانًا قال فيه إنهم خسروا أكثر من خمسة آلاف ساعة عمل، وأكثر من مليون وثلاثة مئة ألف ريال كخسائر مادية). ومؤخرا صدر حكم بحل جمعية الحقوق السياسية والمدنية (حسم) ومصادرة أموالها، مما يجعل المجتمع المدني يتساءل: ما الفرق بين الحصول على تصريح من عدمه إذا كانت المخاطر متقاربة؟ هذا بالإضافة إلى مخاطر عدم الاستقلالية التي تواجه الجمعيات المصرحة.

إذن كيف يتوقع من المجتمع أن ينضج تجربته السياسية في ظل غياب المشاركة السياسية والتمثيل الشعبي وفي ظل منع تشكل مؤسسات المجتمع المدني وعدم وجود الحرية الإعلامية أو حريات الإنترنت أو حريات الطباعة والنشر، بالإضافة إلى تحكم الدولة المبالغ فيه في المناهج الدراسية والجامعات والمساجد والحرمين ومؤسسة الإفتاء، وفي ظل مجلس شورى غير فعال… إلخ؟ مع ملاحظة أن الزعم القائل بأن “الشعب غير جاهز” هي أحد الحجج المتكررة لتبرير الحرمان المزمن من الديموقراطية ومن الحقوق السياسية. ومما لا شك فيه أن غياب أي تشكيلات مجتمعية يفتح الباب للاستفراد بالسلطة والقرار كما هو حاصل من عقود، وهذا بدوره يوفر بيئة خصبة لكافة الانتهاكات الحقوقية ومختلف أشكال الظلم.

وجود مؤسسات للمجتمع المدني مسألة محورية في عملية الإصلاح الضروري للدول الخليجية. فعدم وجود منافذ مدنية لتمرير المشاعر والأفكار السياسية للمواطنين يخلق عدة احتقانات وآثار سلبية يصعب حصرها، فهو مثلاً يزيد من تسرب مطالب المواطن إلى منافذ أخرى كالاستجداء والواسطات والتكتلات القبلية أو المذهبية أو الجهوية، وغير ذلك من السلبيات. كما أن غياب هذه المؤسسات يقلل من كمية المعلومات والبيانات المتوفرة عن مشاكل المجتمع ويقلل نسبة الشفافية (وبالتالي يضر بمصداقية التصريحات الحكومية) كما يفسح مجالات واسعة لأي استبداد صادر من القطاع العام أو الخاص (أو منهما معاً) لأنهما لا يجدان أحدًا في طريق مشاريعهم مهما كانت مثيرة للجدل. بالإضافة لذلك فغياب مؤسسات المجتمع المدني أو ضعفها في دول الخليج تعني أن المواطن سيعتمد بشكل مفرط على الدولة، وهذا يعني أنه في حالة غياب الدولة بسبب حدوث أمر طارئ فإن المواطن سيتعرض لأخطار مضاعفة، سواء كان هذا الأمر الطارئ عدوان خارجي (مثل الكويت 1990) أو كارثة طبيعية (إعصار عمان 2007، سيول جدة 2009) أو غير ذلك من الأمور الطارئة التي لابد أن يصيب كل دولة نصيب منها يومًا ما.

إذن لماذا يُحارَب المجتمع المدني في دول الخليج؟ يوفر لنا عالم الاجتماع الفذ خلدون النقيب تحليلا لهذه الظاهرة كتبه في الثمانينيات وما يزال كلامه صادقًا حين عد الدولة الخليجية قد وصلت لمرحلة الدولة التسلطية، وقال إن كل الدول المستبدة “تسعى إلى تحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع لمصلحة الطبقة أو النخبة الحاكمة ” ولكن الدولة التسلطية بالذات تتميز بميزات إضافية أولها أنها “تحقق هذا الاحتكارعن طريق اختراق المجتمع المدني وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تضامنية تعمل كامتداد لأجهزة الدولة”.

هذه المقالة لا تدعو فقط لإصلاح جذري لمسألة مؤسسات المجتمع المدني في السعودية وإنما تدعو أيضًا لإصلاح جذري لمجلس الشورى وكل مؤسسات وقنوات التعبير عن الرأي والمشاركة السياسية، وفي نفس الوقت تدعو المجتمع المدني لأن يخوض غمار العمل المدني وأن لا يتوقف عند انتظاره للقوانين والتصاريح والتراخيص المختلفة.

خاص بموقع “المقال”

التعليقات

التعليقات

Twitter Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Email

لا توجد تعليقات... دع تعليقك